البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٠٠ - سعيد بن المسيب
أفقه من لقيتما؟ قالا: سعيد بن المسيب. و قال غيره: كان يقال له فقيه الفقهاء. و قال مالك عن يحيى ابن سعيد عن سعيد بن المسيب: كنت أرحل الأيام و الليالي في طلب الحديث الواحد، قال مالك:
و بلغني أن ابن عمر كان يرسل إلى سعيد بن المسيب يسأله عن قضايا عمر و أحكامه، و قال الربيع عن الشافعيّ انه قال: إرسال سعيد بن المسيب عندنا حسن. و قال الامام أحمد بن حنبل هي صحاح:
قال: و سعيد بن المسيب أفضل التابعين. قال على بن المديني: لا أعلم في التابعين أوسع علما منه، و إذا قال سعيد مضت السنة فحسبك به، و هو عندي أجل التابعين. و قال أحمد بن عبد اللَّه العجليّ:
كان سعيد رجلا صالحا فقيها، كان لا يأخذ العطاء، و كانت له بضاعة أربعمائة دينار، و كان يتجر في الزيت، و كان أعور. و قال أبو زرعة: كان مدنيا ثقة إماما. و قال أبو حاتم: ليس في التابعين أنبل منه، و هو أثبتهم في أبى هريرة، قال الواقدي: توفى في سنة الفقهاء، و هي سنة أربع و تسعين، عن خمس و سبعين سنة، (رحمه اللَّه).
[و كان سعيد بن المسيب من أورع الناس فيما يدخل بيته و بطنه، و كان من أزهد الناس في فضول الدنيا، و الكلام فيما لا يعنى، و من أكثر الناس أدبا في الحديث، جاءه رجل و هو مريض فسأله عن حديث فجلس فحدثه ثم اضطجع، فقال الرجل: وددت أنك لم تتعنّ، فقال: إني كرهت أن أحدثك عن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و أنا مضطجع، و قال برد مولاه: ما نودي للصلاة منذ أربعين إلا و سعيد في المسجد. و قال ابن إدريس: صلى سعيد بن المسيب الغداة بوضوء العتمة خمسين سنة. و قال سعيد: لا تملئوا أعينكم من أعوان الظلمة إلا بالإنكار من قلوبكم، لكيلا تحبط أعمالكم الصالحة. و قال: ما يئس الشيطان من شيء إلا أتاه من قبل النساء. و قال: ما أكرمت العباد أنفسها بمثل طاعة اللَّه، و لا أهانت أنفسها إلا بمعصية اللَّه تعالى. و قال: كفى بالمرء نصرة من اللَّه له أن يرى عدوه يعمل بمعصية اللَّه. و قال: من استغنى باللَّه افتقر الناس إليه. و قال: الدنيا نذلة و هي إلى كل نذل أميل، و أندل منها من أخذها من غير وجهها و وضعها في غير سبيلها. و قال: إنه ليس من شريف و لا عالم و لا ذي فضل إلا و فيه عيب، و لكن من الناس من لا ينبغي أن تذكر عيوبه. و قال:
من كان فضله أكثر من نقصه وهب نقصه لفضله.
و قد زوج سعيد بن المسيب ابنته على درهمين لكثير بن أبى وداعة- و كانت من أحسن النساء و أكثرهم أدبا و أعلمهم بكتاب اللَّه و سنة رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، و أعرفهم بحق الزوج- و كان فقيرا، فأرسل إليه بخمسة آلاف، و قيل: بعشرين ألفا، و قال: استنفق هذه. و قصته في ذلك مشهورة، و قد كان عبد الملك خطبها لابنه الوليد فأبى سعيد أن يزوجه بها، فاحتال عليه حتى ضربه بالسياط كما تقدم، لما جاءت بيعة الوليد إلى المدينة في أيام عبد الملك، ضربه نائبة على المدينة هشام بن