البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٤٤ - فصل
فمر به بعد ذلك و قد وضع الطعام و نصب موائد العسل، فوقف به رجاء و قال: يا أبا بكر ما هذا بالذي فارقتنا عليه، فقال له الزهري: انزل فان السخي لا تؤدبه التجارب. و قد أنشد بعضهم في هذا المعنى
له سحائب جود في أنامله* * * أمطارها الفضة البيضاء و الذهب
يقول في العسر إن أيسرت ثانية* * * أقصرت عن بعض ما أعطى و ما أهب
حتى إذا عاد أيام اليسار له* * * رأيت أمواله في الناس تنتهب
و قال الواقدي: ولد الزهري سنة ثمان و خمسين، و قدم في سنة أربع و عشرين و مائة إلى أمواله بثلاث بشعب زبدا، فأقام بها فمرض هناك و مات و أوصى أن يدفن على قارعة الطريق، و كانت وفاته لسبع عشرة من رمضان في هذه السنة، و هو ابن خمس و سبعين سنة، قالوا: و كان ثقة كثير الحديث و العلم و الرواية، فقيها جامعا، و قال الحسين بن المتوكل العسقلاني: رأيت قبر الزهري بشعب زبدا من فلسطين مسنما مجصصا، و قد وقف الأوزاعي يوما على قبره فقال: يا قبركم فيك من علم و من حلم* يا قبركم فيك من علم و من كرم* و كم جمعت روايات و أحكاما. و قال الزبير بن بكار: توفى الزهري بأمواله بشعب ثنين، ليلة الثلاثاء لسبع عشر ليلة خلت من رمضان سنة أربع و عشرين و مائة، عن ثنتين و سبعين سنة، و دفن على قارعة الطريق ليدعو له المارة، و قيل إنه توفى سنة ثلاث و عشرين و مائة، و قال أبو معشر: سنة خمس و عشرين و مائة، و الصحيح الأول و اللَّه أعلم.
[فصل
و روى الطبراني عن إسحاق بن إبراهيم حدثنا عبد الرزاق عن معمر قال: أخبرنى صالح بن كيسان قال: اجتمعت أنا و الزهري و نحن نطلب العلم فقلنا: نحن نكتب السنن، فكتبنا ما جاء عن النبي (صلى اللَّه عليه و سلم)، ثم قال لي: هلم فلنكتب ما جاء عن أصحابه فإنه سنة، فقلت: إنه ليس بسنة فلا نكتب، قال: فكتب ما جاء عنهم و لم أكتب، فأنحج و ضيعت. و روى الامام أحمد عن معمر قال: كنا نرى أنا قد أكثرنا عن الزهري حتى قتل الوليد، فإذا الدفاتر قد حملت على الدواب من خزانته يقول: من علم الزهري. و روى عن الليث بن سعد قال: وضع الطست بين يدي ابن شهاب فتذكر حديثا فلم تزل يده في الطست حتى طلع الفجر و صححه. و روى أصبغ بن الفرح عن ابن وهب عن يونس عن الزهري قال: للعلم واد فإذا هبطت واديه فعليك بالتؤدة حتى تخرج منه، فإنك لا تقطعه حتى يقطع بك.
و قال الطبراني: حدثنا أحمد بن يحيى تغلب حدثنا الزبير بن بكار حدثني محمد بن الحسن بن زبالة عن مالك بن أنس عن الزهري قال: خدمت عبيد اللَّه بن عتبة، حتى أن كان خادمه ليخرج فيقول: من بالباب؟ فتقول الجارية: غلامك الأعيمش، فتظن أنى غلامه، و إن كنت لأخدمه