البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢١٥ - فصل
في الخلافة، أتاه عمر بن الوليد بن عبد الملك فقال ليزيد يا أمير المؤمنين! إن هذا المرائي- يعنى عمر ابن عبد العزيز- قد خان من المسلمين كل ما قدر عليه من جوهر نفيس و در ثمين، في بيتين في داره مملوءين، و هما مقفولان على ذلك الدر و الجوهر. فأرسل يزيد إلى أخته فاطمة بنت عبد الملك امرأة عمر: بلغني أن عمر خلف جوهرا و درا في بيتين مقفولين. فأرسلت إليه: يا أخى ما ترك عمر من سبد و لا لبد، إلا ما في هذا المنديل. و أرسلت إليه به، فحله فوجد فيه قميصا غليظا مرقوعا، و رداء قشبا، و جبة محشوة غليظة واهية البطانة. فقال يزيد للرسول: قل لها: ليس عن هذا أسأل، و لا هذا أريد، إنما أسأل عما في البيتين. فأرسلت تقول له: و الّذي فجعني بأمير المؤمنين ما دخلت هذين البيتين منذ ولى الخلافة، لعلمي بكراهته لذلك، و هذه مفاتيحهما فتعال فحول ما فيهما لبيت مالك. فركب يزيد و معه عمر بن الوليد حتى دخل الدار ففتح أحد البيتين فإذا فيه كرسي من أدم و أربع آجرّات مبسوطات عند الكرسي، و قمقم. فقال عمر بن الوليد: أستغفر اللَّه، ثم فتح البيت الثاني فوجد فيه مسجدا مفروشا بالحصى، و سلسلة معلقة بسقف البيت، فيها كهيئة الطوق بقدر ما يدخل الإنسان رأسه فيها إلى أن تبلغ العنق، كان إذا فتر عن العبادة أو ذكر بعض ذنوبه وضعها في رقبته، و ربما كان يضعها إذا نعس لئلا ينام، و وجدوا صندوقا مقفلا ففتح فوجدوا فيه سفطا ففتحه فإذا فيه دراعة و تبان، كل ذلك من مسوح غليظ، فبكى يزيد و من معه و قال: يرحمك اللَّه يا أخى، إن كنت لنقى السريرة، نقى العلانية. و خرج عمر بن الوليد و هو مخذول و هو يقول:
أستغفر اللَّه، إنما قلت ما قيل لي.
و قال رجاء: لما احتضر جعل يقول: اللَّهمّ رضني بقضائك، و بارك لي في قدرك، حتى لا أحب لما عجلت تأخيرا، و لا لما أخرت تعجيلا. فلا زال يقول ذلك حتى مات. و كان يقول: لقد أصبحت و ما لي في الأمور هوى إلا في مواضع قضاء اللَّه فيها.
و قال شعيب بن صفوان: كتب سالم بن عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب إلى عمر بن عبد العزيز لما ولى الخلافة: أما بعد يا عمر فإنه قد ولى الخلافة و الملك قبلك أقوام، فماتوا على ما قد رأيت، و لقوا اللَّه فرادى بعد الجموع و الحفدة و الحشم، و عالجوا نزع الموت الّذي كانوا منه يفرون، فانفقأت أعينهم التي كانت لا تفتأ تنظر لذاتها، و اندفنت رقابهم غير موسدين بعد لين الوسائد، و تظاهر الفرش و المرافق و السرر و الخدم، و انشقت بطونهم التي كانت لا تشبع من كل نوع و لون من الأموال و الأطعمة، و صاروا جيفا بعد طيب الروائح العطرة، حتى لو كانوا إلى جانب مسكين ممن كانوا يحقرونه و هم أحياء لتأذى بهم، و لنفر منهم، بعد إنفاق الأموال على أغراضهم من الطيب و الثياب الفاخرة اللينة، كانوا ينفقون الأموال إسرافا في أغراضهم و أهوائهم، و يقترون في حق