البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٨٩ - فصل
ذلك الكلام المتقدم عن ذلك العالم، فبلغ ملك تلك البلاد فقصدهم للزيارة، فذكر القصة كما تقدم، و اللَّه أعلم.
و قال وهب: أزهد الناس في الدنيا- و إن كان عليها حريصا- من لم يرض منها إلا بالكسب الحلال الطيب، مع حفظ الأمانات، و أرغب الناس فيها و إن كان عنها معرضا، من لم يبال من أين كسبه منها حلالا كان أو حراما، و إن أجود الناس في الدنيا من جاد بحقوق اللَّه عز و جل، و إن رآه الناس بخيلا فيما سوى ذلك، و إن أبخل الناس في الدنيا من بخل بحقوق اللَّه عز و جل و إن رآه الناس جوادا فيما سوى ذلك.
و قال الطبراني: حدثنا معاذ بن المثنى حدثنا على بن المديني حدثنا محمد بن عمرو بن مقسم قال سمعت عطاء بن مسلم يقول: سمعت وهب بن منبه يقول: إن اللَّه تعالى كلم موسى (عليه السلام) في ألف مقام، و كان إذا كلمه رئي النور على وجه موسى ثلاثة أيام، و لم يمس موسى امرأة منذ كلمه ربه عز و جل. و قال عثمان بن أبى شيبة: حدثنا عبد اللَّه بن عامر بن زرارة حدثنا عبد اللَّه بن الأجلح عن محمد بن إسحاق قال: حدثني ربيعة بن أبى عبد الرحمن قال: سمعت ابن منبه اليماني يقول: إن للنبوة أثقالا و مؤنة لا يحملها إلا القوى، و إن يونس بن متى كان عبدا صالحا، و كان في خلقه ضيق، فلما حملت عليه النبوة تفسخ تحتها تفسخ الربع تحت الحمل، فرفضها من يده و خرج هاربا، فقال اللَّه تعالى لنبيه (صلى اللَّه عليه و سلم): فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ و قال: فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَ لا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نادى وَ هُوَ مَكْظُومٌ الآية، و قال يونس بن بكير عن أبى إسحاق بن وهب بن منبه عن أبيه قال: أمر اللَّه الريح أن لا يتكلم أحد من الخلائق بشيء في الأرض إلا ألقته في أذن سليمان، فلذلك سمع كلام النملة.
و روى سفيان عن عمرو بن دينار عن وهب قال: كان الرجل من بنى إسرائيل إذا ساح أربعين سنة أرى شيئا، كأن يرى علامة القبول، قال: فساح رجل من ولد ربيعة أربعين سنة فلم ير شيئا، فقال: يا رب إذ أحسنت و أساء والداي فما ذنبي؟ قال: فأرى ما كان يرى غيره. و في رواية أنه قال: يا رب إذا كان والداي قد أكلا أضرس أنا؟ و في رواية عنه أنه قال: يا رب إذا كان والداي قد أساءا أحرم أنا إحسانك و برك؟ فأظلته غمامة.
و روى عبد اللَّه بن المبارك عن رباح بن زيد عن عبد العزيز بن مروان. قال: سمعت وهب ابن منبه يقول: مثل الدنيا و الآخرة مثل ضرتين، إن أرضيت إحداهما أسخطت الأخرى، و قال: إن أعظم الذنوب عند اللَّه بعد الشرك باللَّه السحر. و روى عبد الرزاق قال: أخبرنى أبى عن وهب قال: إذا صام الإنسان زاغ بصره، فإذا أفطر على حلاوة عاد بصره. و قال ابن المبارك