البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٨٨ - فصل
فقال: إنا للَّه، و ما أصنع به؟ هلكنا و اللَّه إن لم نلقن الحجة من عند اللَّه مع هذا الرجل، و ينصرف عنا و هو ماقت لنا، ثم سأل خادمه: هل عندك طعام؟ قال: نعم. قال: فأت به فضعه بين أيدينا، قال: هو شيء من ثمر الشجر، و هو شيء من بقل و زيتون، قال: فأت به، فأتى به، ثم أمر بجماعته فاجتمعوا حول ذلك الطعام، فقال: إذا دخل عليكم هذا الرجل فلا يلتفت أحد منكم إليه، و لا يقم له أحد، و أقبلوا على الأكل العنيف، و لا يرفع أحد منكم رأسه، لعل اللَّه أن يصرفه عنا و هو كاره لنا فانى أخاف الفتنة و الشهرة و امتلاء القلب منهما، فلا نخلص إلا بنار جهنم. قال: فبكى القوم و بكى ذلك الرجل العالم، فلما اقترب الملك من جبلهم الّذي هم فيه، ترجل الملك و من معه من أعيان دولته و صعد في الجبل، فلما وصل إلى قرب مكانهم أخذوا في الأكل العنيف، فدخل عليهم الملك و هم يأكلون فلم يرفعوا رءوسهم إليه، و جعل ذلك العالم الفاضل يلف البقل مع الزيتون مع الكسرة الكبيرة من الخبز و يدخلها في فمه، فسلم عليهم الملك و قال: أيكم العابد؟ فأشاورا إليه، فقال له الملك: كيف أنت أيها الرجل؟ فقال له: كالناس- و هو يأكل ذلك الأكل العنيف- فقال الملك: ليس عند هذا خير، ثم أدبر الملك خارجا عنه، و قال: ما عند هذا من علم. فلما نزل الملك من الجبل نظر إليه العابد من كوة و قال: أيها الملك! الحمد للَّه الّذي صرفك عنى و أنت لي كاره- أو قال: الحمد للَّه الّذي صرفك عنى بما صرفك به- و في رواية ذكر ابن المبارك أنه قال: الحمد للَّه الّذي صرفه عنى و هو لي لائم.
و في رواية أن هذا العابد كان ملكا، و كان قد زهد في الدنيا و تركها، لأنه كان قد دخل عليه رجل من بقايا أهل الجنة و العمل الصالح فوعظه، فاتعد معه أن يصحبه، و أنه يخرج عن الملك طلبا لما عنده في الدار الآخرة، و أنه وافقه جماعة من بنيه و أهله و رءوس دولته، فخرجوا برّمتهم، لا يدرى أحد أين ذهبوا، و كان هذا الملك من أهل العدل و الخير و الخوف من اللَّه عز و جلّ، و كان متسع الملك و المملكة، كثير الأموال و الرجال، فساروا حتى أتوا جبلا في أطراف مملكته، كثير الشجر و المياه، فأقاموا به حينا، فقال الملك: إن نحن طال أمرنا و مقامنا في هذا الجبل، سمع بنا الناس من أهل مملكتنا فلا يدعونا، و إني أرى أن نذهب إلى غير مملكتنا فننزل مكانا بعيدا عن الناس، لعل أن نسلم منهم و يسلموا منا، فساروا من ذلك الجبل طالبين بلادا لا يعرفون، فوجدوا بها جبلا نائيا عن الناس، كثير الأشجار و المياه، قليل الطوارق، و إذا في ذروته عين ماء جارية و أرض متسعة، تزرع لمن أراد الزرع بها، فنزلوا به و بنوا به أماكن للعبادة و السكنى، و زرعوا لهم على ماء تلك العين بعض بقول يأتدمون بها، و أشجار زيتون، و جعلوا يزرعون بأيديهم و يأكلون ثم شاع أمرهم في بعض تلك البلاد القريبة من جبلهم، فجعلوا يأتونهم و يزورونهم، إلى أن شاع