البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٧٥ - ثم دخلت سنة ثمان و تسعين
حتى يبلغ المدينة، فلا يأتيها إلا و قد هدمت حصونها و وهنت قوتها، فإذا فعلت ذلك لم يبق بينك و بينها مانع، فيعطوا بأيديهم و يسلموا لك البلد، ثم استشار أخاه مسلمة فأشار عليه بأن يدع ما دونها من البلاد و يفتحها عنوة، فمتى ما فتحت فان باقي ما دونها من البلاد و الحصون بيدك، فقال سليمان:
هذا هو الرأى، ثم أخذ في تجهيز الجيوش من الشام و الجزيرة فجهز في البر مائة و عشرين ألفا، و في البحر مائة و عشرين ألفا من المقاتلة، و أخرج لهم الأعطية، و أنفق فيهم الأموال الكثيرة، و أعلمهم بغزو القسطنطينية و الاقامة إلى أن يفتحوها، ثم سار سليمان من بيت المقدس فدخل دمشق و قد اجتمعت له العساكر فأمر عليهم أخاه مسلمة، ثم قال: سيروا على بركة اللَّه، و عليكم بتقوى اللَّه و الصبر و التناصح و التناصف. ثم سار سليمان حتى نزل مرج دابق، فاجتمع إليه الناس أيضا من المتطوعة المحتسبين أجورهم على اللَّه، فاجتمع له جند عظيم لم ير مثله، ثم أمر مسلمة أن يرحل بالجيوش و أخذ معه إليون الرومي المرعشي، ثم ساروا حتى نزلوا على القسطنطينية فحاصرها إلى أن برح بهم و عرض أهلها الجزية على مسلمة فأبى إلا أن يفتحها عنوة، قالوا: فابعث إلينا إليون نشاوره، فأرسله إليهم، فقالوا له: رد هذه العساكر عنا و نحن نعطيك و نملكك علينا، فرجع إلى مسلمة:
فقال: قد أجابوا إلى فتحها غير أنهم لا يفتحونها حتى تتنحى عنهم، فقال مسلمة: إني أخشى غدرك، فحلف له أنه يدفع إليه مفاتيحها و ما فيها، فلما تنحى عنهم أخذوا في ترميم ما تهدم من أسوارها و استعدوا للحصار، و غدر إليون بالمسلمين قبحه اللَّه.
قال ابن جرير: و في هذه السنة أخذ سليمان بن عبد الملك العهد لولده أيوب أنه الخليفة من بعده، و ذلك بعد موت أخيه مروان بن عبد الملك، فعدل عن ولاية أخيه يزيد إلى ولاية ولده أيوب، و تربص بأخيه الدوائر، فمات أيوب في حياة أبيه، فبايع سليمان إلى ابن عمه عمر بن عبد العزيز أن يكون الخليفة من بعده، و نعم ما فعل. و فيها فتحت مدينة الصقالبة. قال الواقدي:
و قد أغارت البرجان على جيش مسلمة و هو في قلة من الناس في هذه السنة. فبعث إليه سليمان جيشا فتماثل البرجان حتى هزمهم اللَّه عز و جل. و فيها غزا يزيد بن المهلب قهستان من أرض الصين فحاصرها و قاتل عندها قتالا شديدا، و لم يزل حتى تسلمها، و قتل من الترك الذين بها أربعة آلاف صبرا، و أخذ منها من الأموال و الأثاث و الأمتعة ما لا يحد و لا يوصف كثرة و قيمة و حسنا، ثم سار منها إلى جرجان فاستجاش صاحبها بالديلم، فقدموا لنجدته فقاتلهم يزيد بن المهلب و قاتلوه، فحمل محمد بن عبد الرحمن بن أبى سبرة الجعفي- و كان فارسا شجاعا باهرا- على ملك الديلم فقتله و هزمهم اللَّه، و لقد بارز ابن أبى سبرة هذا يوما بعض فرسان الترك، فضربه التركي بالسيف على البيضة فنشب فيها، و ضربه ابن أبى سبرة فقتله، ثم أقبل إلى المسلمين و سيفه يقطر دما و سيف التركي ناشب في