البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٠٨ - فصل
من شرائع الإسلام أشد تضييعا. و قد كان يكتب الموعظة إلى العامل من عماله فينخلع منها، و ربما عزل بعضهم نفسه عن العمالة و طوى البلاد من شدة ما تقع موعظته منه، و ذلك أن الموعظة إذا خرجت من قلب الواعظ دخلت قلب الموعوظ. و قد صرح كثير من الأئمة بأن كل من استعمله عمر بن عبد العزيز ثقة، و قد كتب إليه الحسن البصري بمواعظ حسان و لو تقصينا ذلك لطال هذا الفصل، و لكن قد ذكرنا ما فيه إشارة إلى ذلك. و كتب إلى بعض عماله: أذكر ليلة تمخض بالساعة فصباحها القيامة، فيا لها من ليلة و يا له من صباح، و كان يوما على الكافرين عسيرا. و كتب إلى آخر: أذكرك طول سهر أهل النار في النار مع خلود الأبد، و إياك أن ينصرف بك من عند اللَّه فيكون آخر العهد بك، و انقطاع الرجاء منك، قالوا: فخلع هذا العامل نفسه من العمالة و قدم على عمر فقال له: مالك؟
فقال: خلعت قلبي بكتابك يا أمير المؤمنين، و اللَّه لا أعود إلى ولاية أبدا.
فصل
و قد رد جميع المظالم كما قدمنا، حتى انه رد فص خاتم كان في يده، قال: أعطانيه الوليد من غير حقه، و خرج من جميع ما كان فيه من النعيم في الملبس و المأكل و المتاع، حتى انه ترك التمتع بزوجته الحسناء، فاطمة بن عبد الملك، يقال كانت من أحسن النساء، و يقال إنه رد جهازها إلى بيت المال، و اللَّه أعلم. و قد كان دخله في كل سنة قبل أن يلي الخلافة أربعين ألف دينار، فترك ذلك كله حتى لم يبق له دخل سوى أربعمائة دينار في كل سنة، و كان حاصله في خلافته ثلاثمائة درهم، و كان له من الأولاد جماعة، و كان ابنه عبد الملك أجلهم، فمات في حياته في زمن خلافته، حتى يقال إنه كان خيرا من أبيه، فلما مات لم يظهر عليه حزن، و قال: أمر رضيه اللَّه فلا أكرهه، و كان قبل الخلافة يؤتى بالقميص الرفيع اللين جدا فيقول: ما أحسنه لو لا خشونة فيه، فلما ولى الخلافة كان بعد ذلك بلبس القميص الغليظ المرقوع و لا يغسله حتى يتسخ جدا، و يقول: ما أحسنه لو لا لينه. و كان يلبس الفروة الغليظة، و كان سراجه على ثلاث قصبات في رأسهن طين، و لم يبن شيئا في أيام خلافته، و كان يخدم نفسه بنفسه، و قال: ما تركت شيئا من الدنيا إلا عوضني اللَّه ما هو خير منه، و كان يأكل الغليظ و لا يبالي بشيء من النعيم، و لا يتبعه نفسه و لا يوده، حتى قال أبو سليمان الدارانيّ: كان عمر بن عبد العزيز أزهد من أويس القرني، لأن عمر ملك الدنيا بحذافيرها و زهد فيها، و لا ندري حال أويس لو ملك ما ملكه عمر كيف يكون؟ ليس من جرب كمن لم يجرب. و تقدم قول مالك بن دينار: إنما الزاهد عمر بن عبد العزيز. و قال عبد اللَّه بن دينار: لم يكن عمر يرتزق من بيت المال شيئا، و ذكروا أنه أمر جارية تروحه حتى ينام فروحته، فنامت هي، فأخذ المروحة من يدها و جعل