البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٣٧ - و طاوس بن كيسان اليماني
رجل طاوسا عن شيء فانتهره، ثم قال: تريد أن تجعل في عنقي حبلا ثم يطاف بى؟ و رأى طاوس رجلا مسكينا في عينه عمش و في ثوبه وسخ، فقال له: عدّ! إن الفقر من اللَّه، فأين أنت من الماء؟
و روى الطبراني عنه قال: إقرار ببعض الظلم خير من القيام فيه، و عن عبد الرزاق عن داود ابن إبراهيم أن الأسد حبس الناس ليلة في طريق الحج، فدق الناس بعضهم بعضا، فلما كان السحر ذهب عنهم الأسد، فنزل الناس يمينا و شمالا فألقوا أنفسهم، و قام طاووس يصلى، فقال له رجل- و في رواية فقال ابنه-: ألا تنام فإنك قد سهرت و نصبت هذه الليلة؟ فقال: و هل ينام السحر أحد؟ و في رواية: ما كنت أظن أحدا ينام السحر. و روى الطبراني من طريق عبد الرزاق عن أبى جريج و ابن عيينة. قالا: حدثنا ابن طاوس قال: قلت لأبى: ما أفضل ما يقال على الميت؟
قال الاستغفار.
و قال الطبراني: حدثنا عبد الرزاق قال سمعت النعمان بن الزبير الصنعاني يحدث أن محمد بن يوسف- أو أيوب بن يحيى- بعث إلى طاوس بسبعمائة دينار و قال للرسول: إن أخذها منك فان الأمير سيكسوك و يحسن إليك. فقال: فخرج بها حتى قدم على طاوس الجند، فقال: يا أبا عبد الرحمن نفقة بعث بها الأمير إليك. فقال: ما لي بها من حاجة، فأراده على أخذها بكل طريق فأبى أن يقبلها، فغفل طاوس فرمى بها الرجل من كوة في البيت ثم ذهب راجعا إلى الأمير، و قال: قد أخذها، فمكثوا حينا ثم بلغهم عن طاوس ما يكرهون- أو شيء يكرهونه- فقالوا: ابعثوا إليه فليبعث إلينا بمالنا، فجاءه الرسول فقال: المال الّذي بعثه إليك الأمير ردّه إلينا، فقال: ما قبضت منه شيئا، فرجع الرسول إليهم فأخبرهم، فعرفوا أنه صادق، فقالوا: انظروا الّذي ذهب بها إليه، فأرسلوه إليه، فجاءه فقال: المال الّذي جئتك به يا أبا عبد الرحمن، قال: هل قبضت منك شيئا؟
قال: لا! قال: فقام إلى المكان الّذي رمى به فيه فوجدها كما هي، و قد بنت عليها العنكبوت، فأخذها فذهب بها إليهم.
و لما حج سليمان بن عبد الملك قال: انظروا إليّ فقيها أسأله عن بعض المناسك، قال: فخرج الحاجب يلتمس له، فمر طاوس فقالوا: هذا طاوس اليماني، فأخذه الحاجب فقال: أجب أمير المؤمنين، فقال: اعفنى، فأبى، فأدخله عليه، قال طاوس: فلما وقفت بين يديه قلت: إن هذا المقام يسألنى اللَّه عنه، فقال: يا أمير المؤمنين إن صخرة كانت على شفير جهنم هوت فيها سبعين خريفا حتى استقرت في قرارها، أ تدري لمن أعدها اللَّه؟ قال: لا!! ويلك لمن أعدها اللَّه؟ قال:
لمن أشركه اللَّه في حكمه فجار. و في رواية ذكرها الزهري أن سليمان رأى رجلا يطوف بالبيت، له جمال و كمال، فقال: من هذا يا زهري؟ فقلت: هذا طاوس، و قد أدرك عدة من الصحابة، فأرسل