البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٩٢ - فصل
و تهين من أضاعها، و كتاب اللَّه يدل عليها، و الايمان باللَّه يحض عليها.
و قال الامام أحمد: حدثنا إبراهيم بن خالد حدثنا عمر بن عبد الرحمن سمعت وهب بن منبه يقول قال داود (عليه السلام): يا رب أي عبادك أحب إليك؟ قال: مؤمن حسن الصورة حسن العمل.
قال: يا رب أي عبادك أبغض إليك؟ قال: كافر حسن الصورة كفر أو شكر، هذان. و في رواية ذكرها أحمد بن حنبل: أي عبادك أبغض إليك؟ قال: عبد استخارنى في أمر فخرت له فلم يرض به.
و قال إبراهيم بن الجنيد: حدثني إبراهيم بن سعيد عن عبد المنعم بن إدريس حدثنا عبد الصمد ابن معقل عن وهب بن منبه قال: كان سائح يعبد اللَّه تعالى، فجاءه إبليس أو شيطان فتمثل بإنسان فجعل يريه أنه يعبد اللَّه تعالى، و جعل يزيد عليه في العبادة، فأحبه ذلك السائح لما رأى من اجتهاده و عبادته، فقال له الشيطان- و السائح في مصلاه-: لو دخلنا إلى المدينة فخالطنا الناس و صبرنا على أذاهم و أمرنا و نهينا، كان أعظم لأجرنا، فأجابه السائح إلى ذلك، فلما أخرج السائح إحدى رجليه من باب مكانه لينطلق معه، هتف به هاتف فقال: إن هذا شيطان أراد أن يفتنك. فقال السائح:
رجل خرجت في معصية اللَّه و طاعة الشيطان لا تدخل معى، فما حولها من موضعها ذلك حتى فارق الدنيا، فأنزل اللَّه تعالى ذكره في بعض كتبه فقال: و ذو الرّجل.
و قال وهب: أتى رجل من أفضل أهل زمانه إلى ملك كان يفتن الناس على أكل لحم الخنزير، فأعظم الناس مكانه، و هالهم أمره، فقال له صاحب شرطة الملك- سرا بينه و بينه-: أيها العالم، اذبح جديا مما يحل لك أكله ثم ادفعه إلى حتى أصنعه لك على حدته، فإذا دعا الملك بلحم الخنزير أمرت به فوضع بين يديك، فتأكل منه حلالا و يرى الملك و الناس أنك إنما أكلت لحم الخنزير، فذبح ذلك العالم جديا، ثم دفعه إلى صاحب الشرطة فصنعه له، و أمر الطباخين إذا أمر الملك بأن يقدم إلى هذا العالم لحم الخنزير [أن يضعوا بين يديه لحم هذا الجدي و اجتمع الناس] لينظروا أمر هذا العالم فيه أ يأكل أم لا، و قالوا إن أكل أكلنا و إن امتنع امتنعنا، فجاء الملك فدعا لهم بلحوم الخنازير فوضعت بين أيديهم، و وضع بين يدي ذلك العالم لحم ذلك الجدي الحلال المذكى، فألهم اللَّه ذلك العالم فألقى في روعه و فكره، فقال: هب أنى أكلت لحم الجدي الّذي أعلم حله أنا، فما ذا أصنع بمن لا يعلم؟ و الناس إنما ينتظرون أكلى ليقتدوا بى، و هم لا يعلمون إلا أنى إنما أكلت لحم الخنزير فيأكلون اقتداء بى، فأكون ممن يحمل أو زارهم يوم القيامة، لا أفعل و اللَّه و إن قتلت و حرقت بالنار، و أبى أن يأكل، فجعل صاحب الشرطة يغمز إليه و يومى إليه و يأمره بأكله، أي إنما هو لحم الجدي، فأبى أن يأكل، ثم أمره الملك أن يأكل فأبى، فألحوا عليه فأبى، فأمر الملك صاحب الشرطة بقتله، فلما ذهبوا به ليقتلوه، قال له صاحب الشرطة: ما منعك أن تأكل من اللحم الّذي ذكيته أنت و دفعته