البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٦٩ - أما الحسن
فاذكره، و قد أقالك فاشكره، ثم قال الحسن: إنما المرض ضربة سوط من ملك كريم، فأما أن يكون العليل بعد المرض فرسا جوادا، و إما أن يكون حمارا عثورا معقورا. و روى العتبى عن أبيه أيضا قال: كتب الحسن إلى فرقد:
أما بعد فانى أوصيك بتقوى اللَّه، و العمل بما علمك اللَّه، و الاستعداد لما وعد اللَّه، مما لا حيلة لأحد في دفعه، و لا ينفع الندم عند نزوله، فاحسر عن رأسك قناع الغافلين، و انتبه من رقدة الجاهلين، و شمر الساق، فان الدنيا ميدان مسابقة، و الغاية الجنة أو النار، فان لي و لك من اللَّه مقاما يسألنى و إياك فيه عن الحقير و الدقيق، و الجليل و الخافى، و لا آمن أن يكون فيما يسألنى و إياك عنه وساوس الصدور، و لحظ العيون، و إصغاء الأسماع. و ما أعجز عنه.
و روى ابن قتيبة عنه أنه مر على باب ابن هبيرة فرأى القراء- و كانوا هم الفقهاء- جلوسا على باب ابن هبيرة فقال: طفحتم نعالكم، و بيضتم ثيابكم. ثم أتيتم إلى أبوابهم تسعون؟ ثم قال لأصحابه:
ما ظنكم بهؤلاء الحذاء؟ ليست مجالسهم من مجالس الأتقياء، و إنما مجالسهم مجالس الشرط.
و روى الخرائطى عن الحسن أنه كان إذا اشترى شيئا و كان في ثمنه كسر جبره لصاحبه. و مر الحسن بقوم يقولون: نقص دانق أي عن الدرهم الكامل و الدينار الكامل- إما أن يكون درهما ينقص نصفا أو ربعا، و العشرة تسعة و نصف، و قس على هذا، فكان الحسن يستحب جبران هذه الأشياء، و إن كان اشترى السلعة بدرهم ينقص دانقا كمله درهما، أو بتسعة و نصف كملها عشرة، مروءة و كرما. و قال عبد الأعلى السمسار، قال الحسن: يا عبد الأعلى! أما يبيع أحدكم الثوب لأخيه فينقص درهمين أو ثلاثة؟ قلت لا و اللَّه و لا دانق واحد، فقال الحسن: إن هذه الأخلاق فما بقي من المروءة إذا؟. قال: و كان الحسن يقول: لا دين إلا بمروءة. و باع بغلة له فقال له المشترى: أما تحط لي شيئا يا أبا سعيد؟ قال لك خمسون درهما، أزيدك؟ قال: لا! رضيت، قال: بارك اللَّه لك.
و روى ابن أبى الدنيا عن حمزة الأعمى قال: ذهبت بى أمى إلى الحسن فقالت: يا أبا سعيد:
ابني هذا قد أحببت أن يلزمك فلعل اللَّه أن ينفعه بك، قال: فكنت أختلف إليه، فقال لي يوما:
يا بنى أدم الحزن على خير الآخرة لعله أن يوصلك إليه، و ابك في ساعات الليل و النهار في الخلوة لعل مولاك أن يطلع عليك فيرحم عبرتك فتكون من الفائزين، قال: و كنت أدخل على الحسن منزله و هو يبكى، و ربما جئت إليه و هو يصلى فأسمع بكاءه و نحيبه، فقلت له يوما: إنك تكثر البكاء فقال يا بنى! ما ذا يصنع المؤمن إذا لم يبك؟ يا بنى إن البكاء داع إلى الرحمة، فان استطعت أن تكون عمرك باكيا فافعل لعله تعالى أن يرحمك، فإذا أنت نجوت من النار، و قال: ما هو إلا حلول الدار إما الجنة و إما النار، ما هناك منزل ثالث. و قال: بلغنا أن الباكي من خشية اللَّه لا تقطر من دموعه