البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٧٠ - خلافة الوليد بن عبد الملك باني جامع دمشق
و علانيته قال اللَّه هذا عبدي حقا. و قال: إذا دخلتم على مربض فان استطعتم أن يدعو لكم فإنه قد حرّك- أي قد أوقظ من غفلته بسبب مرضه- فدعاؤه مستجاب من أجل كسره و رقة قلبه. و قال:
إن أقبح ما طلبت به الدنيا عمل الآخرة.
خلافة الوليد بن عبد الملك باني جامع دمشق
لما رجع من دفن أبيه خارج باب الجابية الصغير- و كان ذلك في يوم الخميس و قيل الجمعة للنصف من شوال من هذه السنة- لم يدخل المنزل حتى صعد المنبر- منبر المسجد الأعظم بدمشق- فخطب الناس فكان مما قال: إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ، و اللَّه المستعان على مصيبتنا في أمير المؤمنين، و الحمد للَّه على ما أنعم علينا من الخلافة، قوموا فبايعوا. فكان أول من قام إليه عبد اللَّه بن همام السلولي و هو يقول:-
اللَّه أعطاك التي لا فوقها* * * و قد أراد الملحدون عوقها
عنك و يأبى اللَّه إلا سوقها* * * إليك حتى قلدوك طوقها
ثم بايعه و بايع الناس بعده. و ذكر الواقدي أنه حمد اللَّه و أثنى عليه ثم قال: أيها الناس إنه لا مقدم لما أخر اللَّه، و لا مؤخر لما قدم اللَّه، و قد كان من قضاء اللَّه و سابقته ما كتبه على أنبيائه و حملة عرشه و ملائكته الموت، و قد صار إلى منازل الأبرار بما لاقاه في هذه الأمة- يعنى بالذي يحق للَّه عليه- من الشدة على المريب و اللين لأهل الحق و الفضل و إقامة ما أقام اللَّه من منار الإسلام و إعلائه من حج هذا البيت و غزو هذه الثغور و شن هذه الغارات على أعداء اللَّه عز و جل فلم يكن عاجزا و لا مفرطا، أيها الناس عليكم بالطاعة و لزوم الجماعة فان الشيطان مع الواحد، أيها الناس من أبدى لنا ذات نفسه ضربنا الّذي فيه عيناه، و من سكت مات بدائه. ثم نزل فنظر ما كان من دواب الخلافة فحازها.
و كان جبارا عنيدا. و قد ورد في ولاية الوليد حديث غريب، و إنما هو الوليد بن يزيد بن عبد الملك كما سيأتي، و كما تقدم تقريره في دلائل النبوة في باب الاخبار عن الغيوب المستقبلة، فيما يتعلق بدولة بنى أمية، و أما الوليد بن عبد الملك هذا فقد كان صينا في نفسه حازما في رأيه، يقال إنه لا تعرف له صبوة، و من جملة محاسنه ما صح عنه أنه قال: لو لا أن اللَّه قص لنا قصة قوم لوط في كتابه ما ظننا أن ذكرا كان يأتى ذكرا كما تؤتى النساء، كما سيأتي ذلك في ترجمته عند ذكر وفاته، و هو باني مسجد جامع دمشق الّذي لا يعرف في الآفاق أحسن بناء منه، و قد شرع في بنائه في ذي القعدة من هذه السنة، فلم يزل في بنائه و تحسينه مدة خلافته و هي عشر سنين، فلما أنهاه انتهت أيام خلافته كما سيأتي بيان ذلك مفصلا. و قد كان موضع هذا المسجد كنيسة يقال لها كنيسة يوحنا، فلما فتحت الصحابة دمشق جعلوها مناصفة، فأخذوا منها الجانب الشرقي فحولوه مسجدا، و بقي الجانب الغربي كنيسة