البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٠٣ - على بن الحسين
عافيت، و لئن كنت قد أخذت فلطالما أعطيت. فلما قضى حاجته من دمشق رجع إلى المدينة، قال: فما سمعناه ذكر رجله و لا ولده، و لا شكا ذلك إلى أحد حتى دخل وادي القرى، فلما كان في المكان الّذي أصابته الأكلة فيه قال: (لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا) فلما دخل المدينة أتاه الناس يسلمون عليه و يعزونه في رجله و ولده، فبلغه أن بعض الناس قال: إنما أصابه هذا بذنب عظيم أحدثه. فأنشد عروة في ذلك و الأبيات لمعن بن أوس:-
لعمرك ما أهويت كفى لريبة* * * و لا حملتني نحو فاحشة رجلي
و لا قادني سمعي و لا بصرى لها* * * و لا دلني رأيي عليها و لا عقلي
و لست بماش ما حييت لمنكر* * * من الأمر لا يمشى إلى مثله مثلي
و لا مؤثر نفسي على ذي قرابة* * * و أوثر ضيفي ما أقام على أهلي
و أعلم أنى لم تصبني مصيبة* * * من الدهر إلا قد أصابت فتى مثلي
و في رواية: اللَّهمّ إنه كان لي بنون أربعة فأخذت واحدا و أبقيت ثلاثة. كذا ذكر هذا الحديث فيه هشام. و قال مسلمة بن محارب: وقعت في رجل عروة الأكلة فقطعت و لم يمسكه أحد، و لم يدع في تلك الليلة ورده. و قال الأوزاعي: لما نشرت رجل عروة قال: اللَّهمّ إنك تعلم أنى لم أمش بها إلى سوء قط. و أنشد البيتين المتقدمين. رأى عروة رجلا يصلى صلاة خفيفة فدعاه فقال: يا أخى أما كانت لك إلى ربك حاجة في صلاتك؟ إني لأسأل اللَّه في صلاتي حتى أسأله الملح. قال عروة:
رب كلمة ذل احتملتها أورثتني عزا طويلا. و قال لبنيه: إذا رأيتم الرجل يعمل الحسنة فاعلموا أن لها عنده أخوات، و إذا رأيتم الرجل يعمل السيئة فاعلموا أن لها عنده أخوات، فان الحسنة تدل على أختها، و السيئة تدل على أختها. و كان عروة إذا دخل حائطه ردد هذه الآية (وَ لَوْ لا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ) حتى يخرج منه و اللَّه سبحانه و تعالى أعلم] [١].
قيل إنه ولد في حياة عمر، و الصحيح أنه ولد بعد عمر في سنة ثلاث و عشرين، و كانت وفاته في سنة أربع و تسعين على المشهور، و قيل سنة تسعين، و قيل سنة مائة، و قيل إحدى و تسعين، و قيل إحدى و مائة، و قيل سنة اثنتين أو ثلاث أو أربع أو خمس و تسعين، و قيل تسع و تسعين فاللَّه أعلم.
على بن الحسين
ابن على بن أبى طالب القرشي الهاشمي المشهور بزين العابدين، و أمه أم ولد اسمها سلامة، و كان له أخ أكبر منه يقال له على أيضا، قتل مع أبيه، روى على هذا الحديث عن أبيه و عمه الحسن بن على، و جابر و ابن عباس و المسور بن مخرمة و أبى هريرة و صفية و عائشة و أم سلمة، أمهات المؤمنين. و عنه
[١] زيادة من المصرية.