البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٢٢ - فصل
انظر من يأكل معى، فذهب فإذا أعرابى نائم فضربه برجله و قال: أجب الأمير، فقام فلما دخل على الحجاج قال له: اغسل يديك ثم تغدّ معى، فقال: إنه دعاني من هو خير منك، قال: و من؟
قال اللَّه دعاني إلى الصوم فأجبته، قال: في هذا الحر الشديد؟ قال: نعم صمت ليوم هو أشد حرا منه، قال: فأفطر و صم غدا، قال: إن ضمنت لي البقاء لغد. قال: ليس ذلك لي، قال: فكيف تسألنى عاجلا بآجل لا تقدر عليه؟ قال: إن طعامنا طعام طيب، قال: لم تطيبه أنت و لا الطباخ، إنما طيبته العافية
فصل
قد ذكرنا كيفية دخول الحجاج الكوفة في سنة خمس و سبعين و خطبته إياهم بغتة، و تهديده و وعيده إياهم، و أنهم خافوه مخافة شديدة، و أنه قتل عمير بن ضابىء، و كذلك قتل كميل بن زياد صبرا، ثم كان من أمره في قتال ابن الأشعث ما قدمنا، ثم تسلط على من كان معه من الرؤساء و الأمراء و العبّاد و القراء، حتى كان آخر من قتل منهم سعيد بن جبير. قال القاضي المعافى زكريا:
ثنا أحمد بن محمد بن سعد الكلبي ثنا محمد بن زكريا الغلابي ثنا محمد- يعنى ابن عبد اللَّه بن عباس- عن عطاء- يعنى ابن مصعب- عن عاصم قال: خطب الحجاج أهل العراق بعد دير الجماجم، فقال:
يا أهل العراق إن الشيطان قد استبطنكم فخالط اللحم و الدم، و العصب و المسامع، و الأطراف، ثم أفضى إلى الاسماخ و الأمخاخ، و الأشباح و الأرواح، ثم ارتع فعشش، ثم باض و فرخ، ثم دب و درج، فحشاكم نفاقا و شقاقا، و أشعركم خلافا، اتخذتموه دليلا تتبعونه، و قائدا تطيعونه، و مؤتمنا تشاورونه و تستأمرونه، فكيف تنفعكم تجربة، أو ينفعكم بيان! أ لستم أصحابى بالأهواز حيث منيتم المكر و اجتمعتم على الغدر، و اتفقتم على الكفر، و ظننتم أن اللَّه يخذل دينه و خلافته، و أنا و اللَّه أرميكم بطرفي و أنتم تتسللون لو إذا، و تنهزمون سراعا. و يوم الزاوية و ما يوم الزاوية، مما كان من فشلكم و تنازعكم و تخاذلكم و براءة اللَّه منكم، و نكوس قلوبكم إذ وليتم كالإبل الشاردة عن أوطانها النوازع، لا يسأل المرء منكم عن أخيه، و لا يلوى الشيخ على بنيه، حين عضكم السلاح، و نخعتكم الرماح.
و يوم دير الجماجم و ما يوم دير الجماجم، بها كانت المعارك و الملاحم، بضرب يزيل الهام عن مقيله، و يذهل الخليل عن خليله. يا أهل العراق يا أهل الكفران بعد الفجران، و الغدران بعد الخذلان، و النزوة بعد النزوات، إن بعثناكم إلى ثغوركم غللتم و خنتم، و إن أمنتم أرجفتم، و إن خفتم نافقتم، لا تذكرون نعمة، و لا تشكرون معروفا، ما استخفكم ناكث، و لا استغواكم غاو، و لا استنقذكم عاص، و لا استنصركم ظالم، و لا استعضدكم خالع، إلا لبيتم دعوته، و أجبتم صيحته، و نفرتم إليه خفافا و ثقالا، و فرسانا و رجالا. يا أهل العراق هل شغب شاغب، أو نعب ناعب، أو زفر زافر