البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٢٤ - فصل
أعطني فانى قتلت الحسين، فقال: و كيف قتلته؟ قال: دسرته بالرمح دسرا، و هبرته بالسيف هبرا، و ما أشركت معى في قتله أحدا. فقال: اذهب فو اللَّه لا تجتمع أنت و هو في موضع واحد، و لم يعطه شيئا. و قال الهيثم بن عدي: جاء رجل إلى الحجاج فقال: إن أخى خرج مع ابن الأشعث فضرب على اسمى في الديوان و منعت العطاء و قد هدمت داري، فقال الحجاج، أما سمعت قول الشاعر:
حنانيك من تجنى عليك و قد* * * تعدى الصحاح مبارك الجرب
و لرب مأخوذ بذنب قريبه* * * و نجا المقارف صاحب الذنب؟
فقال الرجل: أيها الأمير! إني سمعت اللَّه يقول غير هذا، و قول اللَّه أصدق من هذا، قال:
و ما قال؟ قال قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً فَخُذْ أَحَدَنا مَكانَهُ إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ، قالَ مَعاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ إِنَّا إِذاً لَظالِمُونَ قال: يا غلام أعد اسمه في الديوان و ابن داره، و أعطه عطاءه، و مر منادى ينادى صدق اللَّه و كذب الشاعر. و قال الهيثم بن عدي عن ابن عباس: كتب عبد الملك إلى الحجاج أن ابعث إلى برأس أسلم بن عبد البكري، لما بلغني عنه، فأحضره الحجاج فقال: أيها الأمير أنت الشاهد و أمير المؤمنين الغائب، و قال اللَّه تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ و ما بلغه باطل، و إني أعول أربعة و عشرين امرأة ما لهن كاسب غيري و هن بالباب، فأمر الحجاج بإحضارهن، فلما حضرن جعلت هذه تقول: أنا خالته، و هذه أنا عمته، و هذه أنا أخته، و هذه أنا زوجته، و هذه أنا بنته، و تقدمت إليه جارية فوق الثمان و دون العشرة، فقال لها الحجاج: من أنت؟
فقالت: أنا ابنته، ثم قالت: أصلح اللَّه الأمير، و جثت على ركبتيها و قالت:-
أ حجاج لم تشهد مقام بناته* * * و عماته يندبنه الليل أجمعا
أ حجاج كم تقتل به إن قتلته* * * ثمانا و عشرا و اثنتين و أربعا
أ حجاج من هذا يقوم مقامه* * * علينا فمهلا إن تزدنا تضعضعا
أ حجاج إما أن تجود بنعمة* * * علينا و إما أن تقتلنا معا
قال: فبكى الحجاج و قال: و اللَّه لا أعنت عليكن و لا زدتكن تضعضعا، ثم كتب إلى عبد الملك بما قال الرجل، و بما قالت ابنته هذه، فكتب عبد الملك إلى الحجاج يأمره بإطلاقه و حسن صلته و بالإحسان إلى هذه الجارية و تفقدها في كل وقت و قيل إن الحجاج خطب يوما فقال: أيها الناس الصبر عن محارم اللَّه أيسر من الصبر على عذاب اللَّه. فقام إليه رجل فقال له: ويحك يا حجاج ما أصفق وجهك و أقل حياءك، تفعل ما تفعل و تقول مثل هذا الكلام؟ خبث و ضل سعيك، فقال للحرس خذوه، فلما فرغ من خطبته قال له: ما الّذي جرأك على؟ فقال: ويحك يا حجاج، أنت