البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٦٥ - و هذه ترجمة الوليد بن عبد الملك باني جامع دمشق و ذكر وفاته في هذا العام
و الأندلس و أقاليم بلاد العجم، حتى دخلت جيوشه إلى الصين و غير ذلك، قال: و كان مع هذا يمر بالبقال فيأخذ حزمة البقل بيده و يقول: بكم تبيع هذه؟ فيقول: بفلس، فيقول: زد فيها فإنك تربح. و ذكروا أنه كان يبر حملة القرآن و يكرمهم و يقضى عنهم ديونهم، قالوا: و كانت همة الوليد في البناء، و كان الناس كذلك يلقى الرجل الرجل فيقول: ما ذا بنيت؟ ما ذا عمرت؟ و كانت همة أخيه سليمان في النساء، و كان الناس كذلك، يلقى الرجل الرجل فيقول: كم تزوجت؟ ما ذا عندك من السراري؟ و كانت همة عمر بن عبد العزيز في قراءة القرآن، و في الصلاة و العبادة، و كان الناس كذلك، يلقى الرجل الرجل فيقول: كم وردك؟ كم تقرأ كل يوم؟ ما ذا صليت البارحة؟
[و الناس يقولون: الناس على دين مليكهم، إن كان خمارا كثير الخمر، و إن كان لوطيا فكذلك و إن كان شحيحا حريصا كان الناس كذلك، و إن كان جوادا كريما شجاعا كان الناس كذلك، و إن كان طماعا ظلوما غشوما فكذلك، و إن كان ذا دين و تقوى و بر و إحسان كان الناس كذلك.
و هذا يوجد في بعض الأزمان و بعض الأشخاص، و اللَّه أعلم] [١].
و قال الواقدي: كان الوليد جبارا ذا سطوة شديدة لا يتوقف إذا غضب، لجوجا كثير الأكل و الجماع مطلاقا، يقال إنه تزوج ثلاثا و ستين امرأة غير الإماء. قلت: يراد بهذا الوليد بن يزيد الفاسق لا الوليد بن عبد الملك باني الجامع و اللَّه أعلم.
قلت: بنى الوليد الجامع على الوجه الّذي ذكرنا فلم يكن له في الدنيا نظير، و بنى صخرة بيت المقدس عقد عليها القبة، و بنى مسجد النبي (صلى اللَّه عليه و سلم)، و وسعه حتى دخلت الحجرة التي فيها القبر فيه، و له آثار حسان كثيرة جدا، ثم كانت وفاته في يوم السبت للنصف من جمادى الآخرة من هذه السنة، قال ابن جرير: هذا قول جميع أهل السير، و قال عمر بن على الفلاس و جماعة: كانت وفاته يوم السبت للنصف من ربيع الأول من هذه السنة، عن ست و قيل ثلاث و قيل تسع و قيل أربع و أربعين سنة، و كانت وفاته بدير مران، فحمل على أعناق الرجال حتى دفن بمقابر باب الصغير، و قيل بمقابر باب الفراديس، حكاه ابن عساكر. و كان الّذي صلى عليه عمر بن عبد العزيز [لأن أخاه سليمان كان بالقدس الشريف، و قيل صلى عليه ابنه عبد العزيز] [٢]. و قيل بل صلى عليه أخوه سليمان، و الصحيح عمر بن عبد العزيز و اللَّه أعلم. و هو الّذي أنزله إلى قبره و قال حين أنزله: لننزلنه غير موسد و لا ممهد، قد خلفت الأسلاب و فارقت الأحباب، و سكنت التراب، و واجهت الحساب، فقيرا إلى ما قدمت، غنيا عما أخرت. و جاء من غير وجه عن عمر أنه أخبره أنه لما وضعه- يعنى الوليد- في لحده ارتكض في أكفانه، و جمعت رجلاه إلى عنقه. و كانت خلافته تسع سنين و ثمانية أشهر على المشهور و اللَّه أعلم.
[١]، (٢) زيادة من المصرية.