البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٤٩ - ثم دخلت سنة ست و تسعين
خمسة آلاف ألف دينار، و ستمائة ألف دينار، و على الثاني يكون المصروف في عمارة الجامع الأموي أحد عشر ألف ألف دينار، و مائتي ألف دينار. و قيل إنه صرف أكثر من ذلك بكثير، و اللَّه أعلم.
قال أبو قصي: و أتى الحرسي إلى الوليد فقال: يا أمير المؤمنين إن الناس يقولون أنفق أمير المؤمنين بيوت الأموال في غير حقها. فنودي في الناس الصلاة جامعة. فاجتمع الناس فصعد [الوليد] المنبر و قال: إنه بلغني عنكم أنكم قلتم أنفق الوليد بيوت الأموال في غير حقها، ثم قال: يا عمرو بن مهاجر، قم فأحضر أموال بيت المال، فحملت على البغال إلى الجامع، ثم بسط لها الأنطاع تحت قبة النسر، ثم أفرغ عليها المال ذهبا صبيبا، و فضة خالصة، حتى صارت كوما، حتى كان الرجل إذا قام من الجانب الواحد لا يرى الرجل من الجانب الآخر، و هذا شيء كثير، ثم جيء بالقبانين فوزنت الأموال فإذا هي تكفى الناس ثلاث سنين مستقبلة، و في رواية ست عشرة سنة مستقبلة، لو لم يدخل للناس شيء بالكلية، فقال لهم الوليد: و اللَّه ما أنفقت في عمارة هذا المسجد درهما من بيوت المال، و إنما هذا كله من مالي. ففرح الناس و كبروا و حمدوا اللَّه عز و جل على ذلك، و دعوا للخليفة و انصرفوا شاكرين داعين. فقال لهم الوليد: يا أهل دمشق، و اللَّه ما أنفقت في بناء هذا المسجد شيئا من بيوت المال، و إنما هذا كله من مالي، لم أرزأكم من أموالكم شيئا، ثم قال الوليد: يا أهل دمشق، إنكم تفخرون على الناس بأربع، بهوائكم و مائكم و فاكهتكم و حماماتكم، فأحببت أن أزيدكم خامسة و هي هذا الجامع. و قال بعضهم: كان في قبلة جامع دمشق ثلاث صفائح مذهبة بلازورد، في كل منها: بسم اللَّه الرحمن الرحيم اللَّه لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة و لا نوم. لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، و لا نعبد إلا إياه، ربنا اللَّه وحده، و ديننا الإسلام، و نبينا محمد (صلى اللَّه عليه و سلم). أمر ببنيان هذا المسجد و هدم الكنيسة التي كانت فيه عبد اللَّه أمير المؤمنين الوليد، في ذي القعدة سنة ست و ثمانين، و في صفيحة أخرى رابعة من تلك الصفائح: الحمد للَّه رب العالمين الرحمن الرحيم إلى آخر الفاتحة، ثم النازعات، ثم عبس، ثم إذا الشمس كورت، قالوا: ثم محيت بعد مجيء المأمون إلى دمشق. و ذكروا أن أرضه كانت مفضضة كلها، و أن الرخام كان في جدرانه إلى قامات، و فوق الرخام كرمة عظيمة من ذهب، و فوق الكرمة الفصوص المذهبة و الخضر و الحمر و الزرق و البيض، قد صوروا بها سائر البلدان المشهورة، الكعبة فوق المحراب، و سائر الأقاليم يمنة و يسرة، و صوروا ما في البلدان من الأشجار الحسنة المثمرة و المزهرة و غير ذلك، و سقفه مقرنص بالذهب، و السلاسل المعلقة فيها جميعها من ذهب و فضة، و أنوار الشموع في أماكنه مفرقة. قال: و كان في محراب الصحابة برنية حجر من بلور، و يقال بل كانت حجرا من جوهر و هي الدرة، و كانت تسمى القليلة، و كانت إذا طفئت القناديل تضيء لمن هناك بنورها، فلما كان زمن الأمين بن الرشيد- و كان يحب البلور و قيل