البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٢٣ - فصل
إلا كنتم أتباعه و أنصاره؟ يا أهل العراق أ لم تنفعكم المواعظ؟ أ لم تزجركم الوقائع؟ أ لم يشدد اللَّه عليكم وطأته، و يذقكم حر سيفه، و أليم بأسه و مثلاته؟. ثم التفت إلى أهل الشام فقال: يا أهل الشام إنما أنا لكم كالظليم الرامح عن فراخه ينفى عنها القذر، و يباعد عنها الحجر، و يكنها من المطر، و يحميها من الضباب، و يحرسها من الذباب. يا أهل الشام! أنتم الجنة و البرد، و أنتم الملاءة و الجلد، أنتم الأولياء و الأنصار، و الشعار و الدثار، بكم يذب عن البيضة و الحوذة، و بكم ترمى كتائب الأعداء و يهزم من عاند و تولى.
قال ابن أبى الدنيا: حدثني محمد بن الحسين حدثنا عبيد اللَّه بن محمد التميمي سمعت شيخا من قريش يكنى أبا بكر التيمي قال: كان الحجاج يقول في خطبته- و كان لسنا-: إن اللَّه خلق آدم و ذريته من الأرض فأمشاهم على ظهرها، فأكلوا ثمارها و شربوا أنهارها و هتكوها بالمساحي و المرور، ثم أدال اللَّه الأرض منهم فردهم إليها فأكلت لحومهم كما أكلوا ثمارها، و شربت دماءهم كما شربوا أنهارها، و قطعتهم في جوفها و فرقت أوصالهم كما هتكوها بالمساحي و المرور.
و مما رواه غير واحد عن الحجاج أنه قال في خطبته في المواعظ: الرجل و كلكم ذاك الرجل، رجل خطم نفسه و زمها فقادها بخطامها إلى طاعة اللَّه، و كفها بزمامها عن معاصي اللَّه، رحم اللَّه امرأ رد نفسه، امرأ اتهم نفسه، امرأ اتخذ نفسه عدوة، امرأ حاسب نفسه قبل أن يكون الحساب إلى غيره، امرأ نظر إلى ميزانه، امرأ نظر إلى حسابه، امرأ وزن عمله، امرأ فكر فيما يقرأ غدا في صحيفته و يراه في ميزانه، و كان عند قلبه زاجرا، و عند همه آمرا، امرأ أخذ بعنان عمله كما يأخذ بعنان جمله، فان قاده إلى طاعة اللَّه تبعه، و إن قاده إلى معصية اللَّه كف، امرأ، عقل عن اللَّه أمره، امرأ فاق و استفاق، و أبغض المعاصي و النفاق، و كان إلى ما عند اللَّه بالأشواق. فما زال يقول امرأ امرأ، حتى بكى مالك بن دينار.
[و قال المدائني عن عوانة بن الحكم قال قال الشعبي: سمعت الحجاج تكلم بكلام ما سبقه إليه أحد، يقول: أما بعد فان اللَّه تعالى كتب على الدنيا الفناء، و على الآخرة البقاء، فلا فناء لما كتب عليه البقاء، و لا بقاء لما كتب عليه الفناء، فلا يغرنكم شاهد الدنيا عن غائب الآخرة، و اقهروا طول الأمل بقصر الأجل] [١] و قال المدائني عن أبى عبد اللَّه الثقفي عن عمه قال: سمعت الحسن البصري يقول: و قذتنى كلمة سمعتها من الحجاج سمعته يقول على هذه الأعواد: إن امرأ ذهبت ساعة من عمره في غير ما خلق له لحرى أن تطول عليها حسرته إلى يوم القيامة. و قال شريك القاضي عن عبد الملك بن عمير قال قال الحجاج يوما: من كان له بلاء أعطيناه على قدره، فقام رجل فقال:
[١] سقط من المصرية.