البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢١٣ - فصل
لأنفسنا و أمرنا، و رضينا كلنا بك. فلما هدأت أصواتهم حمد اللَّه و أثنى عليه و قال: أوصيكم بتقوى اللَّه، فان تقوى اللَّه خلف من كل شيء، و ليس من تقوى اللَّه خلف، و أكثروا من ذكر الموت فإنه هادم اللذات، و أحسنوا الاستعداد له قبل نزوله، و إن هذه الأمة لم تختلف في ربها و لا في كتابها و لا في نبيها، و إنما اختلفوا في الدينار و الدرهم، و إني و اللَّه لا أعطى أحدا باطلا، و لا أمنع أحدا حقا، ثم رفع صوته فقال: أيها الناس! من أطاع اللَّه وجبت طاعته، و من عصى اللَّه فلا طاعة له، أطيعونى ما أطعت اللَّه، فإذا عصيت اللَّه فلا طاعة لي عليكم. ثم نزل فدخل فأمر بالستور فهتكت و الثياب التي كانت تبسط للخلفاء أمر بها فبيعت، و أدخل أثمانها في بيت المال، ثم ذهب يتبوأ مقيلا، فأتاه ابنه عبد الملك فقال: يا أمير المؤمنين ما ذا تريد أن تصنع؟ قال: يا بنى أقيل، قال: تقيل و لا ترد المظالم إلى أهلها؟ فقال: إني سهرت البارحة في أمر سليمان، فإذا صليت الظهر رددت المظالم. فقال له ابنه: و من لك أن تعيش إلى الظهر؟ قال: ادن منى أي بنى، فدنا منه فقبل بين عينيه و قال: الحمد للَّه الّذي أخرج من صلبى من يعينني على ديني. ثم قام و خرج و ترك القائلة و أمر مناديه فنادى: ألا من كانت له مظلمة فليرفعها، فقام إليه رجل ذمي من أهل حمص [١] فقال:
يا أمير المؤمنين أسألك كتاب اللَّه، قال: ما ذاك؟ قال: العباس بن الوليد بن عبد الملك اغتصبنى أرضى. و العباس جالس، فقال له عمر: يا عباس ما تقول؟ قال: نعم! أقطعنيها أمير المؤمنين الوليد و كتب لي بها سجلا، فقال عمر: ما تقول يا ذمي؟ قال: يا أمير المؤمنين أسألك كتاب اللَّه تعالى.
فقال عمر: نعم كتاب اللَّه أحق أن يتبع من كتاب الوليد، قم فاردد عليه ضيعته، فردها عليه.
ثم تتابع الناس في رفع المظالم إليه، فما رفعت إليه مظلمة إلا ردها، سواء كانت في يده أو في يد غيره حتى أخذ أموال بنى مروان و غيرهم، مما كان في أيديهم بغير استحقاق، فاستغاث بنو مروان بكل واحد من أعيان الناس، فلم يفدهم ذلك شيئا، فأتوا عمتهم فاطمة بنت مروان- و كانت عمته- فشكوا إليها ما لقوا من عمر، و أنه قد أخذ أموالهم و يستنقصون عنده، و أنه لا يرفع بهم رأسا، و كانت هذه المرأة لا تحجب عن الخلفاء، و لا ترد لها حاجة، و كانوا يكرمونها و يعظمونها، و كذلك كان عمر يفعل معها قبل الخلافة، و قامت فركبت إليه، فلما دخلت عليه عظمها و أكرمها، لأنها أخت أبيه، و ألقى لها وسادة، و شرع يحادثها، فرآها غضبى و هي على غير العادة، فقال لها عمر: يا عمه مالك؟
فقالت: بنو أخى عبد الملك و أولادهم يهانون في زمانك و ولايتك؟ و تأخذ أموالهم فتعطيها لغيرهم، و يسبون عندك فلا تنكر؟ فضحك عمر و علم أنها متحملة، و أن عقلها قد كبر، ثم شرع يحادثها و الغضب لا يتحيز عنها، فلما رأى ذلك أخذ معها في الجد، فقال: يا عمه! اعلمي أن النبي (صلى اللَّه عليه و سلم)
[١] في الأصل «من أهل خضر» و صححناه من سيرة عمر بن عبد العزيز لابن الجوزي صفحة ١٠٤