البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢١٤ - فصل
مات و ترك الناس على نهر مورود، فولى ذلك النهر بعده رجل فلم يستنقص منه شيئا حتى مات، ثم ولى ذلك النهر بعد ذلك الرجل رجل آخر فلم يستنقص منه شيئا حتى مات، ثم ولى ذلك النهر رجل آخر فكرى منه ساقية، ثم لم يزل الناس بعده يكرون السواقي حتى تركوه يابسا لا قطرة فيه، و ايم اللَّه لئن أبقانى اللَّه لأردنه إلى مجراه الأول، فمن رضى فله الرضا، و من سخط فله السخط، و إذا كان الظلم من الأقارب الذين هم بطانة الوالي، و الوالي لا يزيل ذلك، فكيف يستطيع أن يزيل ما هو ناء عنه في غيرهم؟ فقالت: فلا يسبوا عندك؟ قال: و من يسبهم؟ إنما يرفع الرجل مظلمته فآخذ له بها. ذكر ذلك ابن أبى الدنيا و أبو نعيم و غيرهما، و قد أشار إليه المؤلف إشارة خفية.
و قال مسلمة بن عبد الملك: دخلت على عمر في مرضه فإذا عليه قميص وسخ، فقلت لفاطمة: ألا تغسلوا قميص أمير المؤمنين؟ فقالت: و اللَّه ما له قميص غيره، و بكى فبكت فاطمة فبكى أهل الدار، لا يدرى هؤلاء ما أبكى هؤلاء، فلما انجلت عنهم العبرة قالت فاطمة: ما أبكاك يا أمير المؤمنين؟
فقال: إني ذكرت منصرف الخلائق من بين يدي اللَّه، فريق في الجنة و فريق في السعير، ثم صرخ و غشي عليه.
و عرض عليه مرة مسك من بيت المال فسدّ أنفه حتى وضع، فقيل له في ذلك فقال: و هل ينتفع من المسك إلا بريحة؟ و لما احتضر دعا بأولاده و كانوا بضعة عشر ذكرا، فنظر إليهم فذرفت عيناه ثم قال: بنفسي الفتية. و كان عمر بن عبد العزيز يتمثل كثيرا بهذه الأبيات:-
يرى مستكينا و هو للقول ماقت* * * به عن حديث القوم ما هو شاغله
و أزعجه علم عن الجهل كله* * * و ما عالم شيئا كمن هو جاهله
عبوس عن الجهال حين يراهم* * * فليس له منهم خدين يهازله
تذكر ما يبقى من العيش فارعوى* * * فأشغله عن عاجل العيش آجله
و روى ابن أبى الدنيا عن ميمون بن مهران قال: دخلت على عمر بن عبد العزيز و عنده سابق البربري و هو ينشده شعرا، فانتهى في شعره إلى هذه الأبيات:-
فكم من صحيح بات للموت آمنا* * * أتته المنايا بغتة بعد ما هجع
فلم يستطع إذ جاءه الموت بغتة* * * فرارا و لا منه بقوّته امتنع
فأصبح تبكيه النساء مقنعا* * * و لا يسمع الداعي و إن صوته رفع
و قرب من لحد فصار مقيله* * * و فارق ما قد كان بالأمس قد جمع
فلا يترك الموت الغنىّ لماله* * * و لا معدما في المال ذا حاجة يدع
و قال رجا بن حيوة: لما مات أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز و قام يزيد بن عبد الملك بعده