البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢١٠ - ذكر سبب وفاته (رحمه اللَّه)
دينار، فحصل له بسبب ذلك مرض، فأخبر أنه مسموم، فقال: لقد علمت يوم سقيت السّم، ثم استدعى مولاه الّذي سقاه، فقال له: ويحك!! ما حملك على ما صنعت؟ فقال: ألف دينار أعطيتها. فقال: هاتها، فأحضرها فوضعها في بيت المال، ثم قال له: اذهب حيث لا يراك أحد فتهلك. ثم قيل لعمر: تدارك نفسك، فقال: و اللَّه لو أن شفائى أن أمسّ شحمة أذنى أو أوتى بطيب فأشمه ما فعلت، فقيل له: هؤلاء بنوك- و كانوا اثنى عشر- ألا توصي لهم بشيء فإنهم فقراء؟ فقال: (إن وليّى اللَّه الّذي نزل الكتاب و هو يتولى الصالحين) و اللَّه لا أعطيتهم حق أحد و هم بين رجلين إما صالح فاللَّه يتولى الصالحين، و إما غير صالح فما كنت لأعينه على فسقه.
و في رواية فلا أبالى في أي واد هلك. و في رواية أ فأدع له ما يستعين به على معصية اللَّه فأكون شريكه فيما يعمل بعد الموت؟ ما كنت لأفعل. ثم استدعى بأولاده فودعهم و عزاهم بهذا، و أوصاهم بهذا الكلام ثم قال: انصرفوا عصمكم اللَّه و أحسن الخلافة عليكم. قال: لقد رأينا بعض أولاد عمر ابن عبد العزيز يحمل على ثمانين فرس في سبيل اللَّه، و كان بعض أولاد سليمان بن عبد الملك- مع كثرة ما ترك لهم من الأموال- يتعاطى و يسأل من أولاد عمر بن عبد العزيز، لأن عمر و كل ولده إلى اللَّه عز و جل، و سليمان و غيره إنما يكلون أولادهم إلى ما يدعون لهم، فيضيعون و تذهب أموالهم في شهوات أولادهم. و قال يعقوب بن سفيان: ثنا أبو النعمان ثنا حماد بن زيد عن أيوب قال قيل لعمر بن عبد العزيز: يا أمير المؤمنين لو أتيت المدينة، فان قضى اللَّه موتا دفنت في القبر الرابع مع رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و أبى بكر و عمر، فقال: و اللَّه لأن يعذبني اللَّه بكل عذاب، إلا النار فإنه لا صبر لي عليها، أحب إلى من أن يعلم اللَّه من قلبي أنى لذلك الموضع أهل. قالوا: و كان مرضه بدير سمعان من قرى حمص و كانت مدة مرضه عشرين يوما، و لما احتضر قال: أجلسونى فأجلسوه فقال: إلهي أنا الّذي أمرتنى فقصرت، و نهيتني فعصيت، ثلاثا، و لكن لا إله إلا اللَّه، ثم رفع رأسه فأحدّ النظر، فقالوا: إنك لتنظر نظرا شديدا يا أمير المؤمنين، فقال: إني لأرى حضرة ما هم بإنس و لا جان، ثم قبض من ساعته. و في رواية أنه قال لأهله: اخرجوا عنى، فخرجوا و جلس على الباب مسلمة بن عبد الملك و أخته فاطمة، فسمعوه يقول: مرحبا بهذه الوجوه التي ليست بوجوه إنس و لا جان ثم قرأ تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَ لا فَساداً وَ الْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ثم هدأ الصوت فدخلوا عليه فوجدوه قد غمض و سوى إلى القبلة و قبض.
و قال أبو بكر بن أبى شيبة: ثنا عبد الملك بن عبد العزيز عن الدراوَرْديّ عن عبد العزيز بن أبى سلمة أن عمر بن عبد العزيز لما وضع عند قبره هبت ريح شديدة فسقطت صحيفة بأحسن كتاب