البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٥٠ - ترجمة الجعد بن درهم
و كان من دعاته: اللَّهمّ إني أعوذ بك من زيغ القلوب، و من تبعات الذنوب، و من مرديات الأعمال و مضلات العين. و قال الأوزاعي عنه أنه قال: عباد الرحمن لو أنتم لم تدعوا إلى اللَّه طاعة إلا عملتموها و لا معصية إلا اجتنبتموها، إلا أنكم تحبون الدنيا لكفاكم ذلك عقوبة عند اللَّه عز و جل. و قال:
إن اللَّه يغفر الذنوب لمن تاب منها، و لكن لا يمحوها من الصحيفة حتى يوقف العبد عليها يوم القيامة.
ترجمة الجعد بن درهم
هو أول من قال بخلق القرآن، و هو الّذي ينسب إليه مروان الجعديّ، و هو مروان الحمار، آخر خلفاء بنى أمية. كان شيخه الجعد بن درهم، أصله من خراسان، و يقال إنه من موالي بنى مروان، سكن الجعد دمشق، و كانت له بها دار بالقرب من القلاسيين إلى جانب الكنيسة، ذكره ابن عساكر. قلت: و هي محلة من الخواصين اليوم غربيها عند حمام القطانين الّذي يقال له حمام قلينس.
قال ابن عساكر و غيره: و قد أخذ الجعد بدعته عن بيان بن سمعان، و أخذها بيان عن طالوت ابن أخت لبيد بن أعصم، زوج ابنته، و أخذها لبيد بن أعصم الساحر الّذي سحر رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) عن يهودي باليمن، و أخذ عن الجعد الجهم بن صفوان الخزري، و قيل الترمذي، و قد أقام ببلخ، و كان يصلى مع مقاتل بن سليمان في مسجده و يتناظران، حتى نفى إلى ترمذ، ثم قتل الجهم بأصبهان، و قيل بمرو، قتله نائبها سلم بن أحوز (رحمه اللَّه) و جزاه عن المسلمين خيرا، و أخذ بشر المريسي عن الجهم، و أخذ أحمد بن أبى داود عن بشر، و أما الجعد فإنه أقام بدمشق حتى أظهر القول بخلق القرآن، فتطلبه بنو أمية فهرب منهم فسكن الكوفة، فلقيه فيها الجهم بن صفوان فتقلد هذا القول عنه، ثم إن خالد بن عبد اللَّه القسري قتل الجعد يوم عيد الأضحى بالكوفة، و ذلك أن خالدا خطب الناس فقال في خطبته تلك: أيها الناس ضحوا يقبل اللَّه ضحاياكم، فانى مضح بالجعد بن درهم، إنه زعم أن اللَّه لم يتخذ إبراهيم خليلا. و لم يكلم موسى تكليما، تعالى اللَّه عما يقول الجعد علوا كبيرا. ثم نزل فذبحه في أصل المنبر.
و قد ذكر هذا غير واحد من الحفاظ منهم البخاري و ابن أبى حاتم و البيهقي و عبد اللَّه بن أحمد و ذكره ابن عساكر في التاريخ، و ذكر أنه كان يتردد إلى وهب بن منبه، و أنه كان كلما راح إلى وهب يغتسل و يقول: أجمع للعقل، و كان يسأل وهبا عن صفات اللَّه عز و جل فقال له وهب يوما:
ويلك يا جعد، اقصر المسألة عن ذلك، إني لأظنك من الهالكين، لو لم يخبرنا اللَّه في كتابه أن له يدا ما قلنا ذلك، و أن له عينا ما قلنا ذلك، و أن له نفسا ما قلنا ذلك، و أن له سمعا ما قلنا ذلك، و ذكر الصفات من العلم و الكلام و غير ذلك، ثم لم يلبث الجعد أن صلب ثم قتل. ذكره ابن عساكر، و ذكر في ترجمته أنه قال للحجاج بن يوسف و يروى لعمران بن حطان: