البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٠١ - فصل
عساكر في تاريخه أن عمر بن عبد العزيز كان يعجبه جارية من جواري زوجته فاطمة بنت عبد الملك، فكان سألها إياها إما بيعا أو هبة، فكانت تأبى عليه ذلك، فلما ولى الخلافة ألبستها و طيبتها و أهدتها إليه و وهبتها منه، فلما أخلتها به أعرض عنها، فتعرضت له فصدف عنها، فقالت له: يا سيدي فأين ما كان يظهر لي من محبتك إياي؟ فقال: و اللَّه إن محبتك لباقية كما هي، و لكن لا حاجة لي في النساء، فقد جاءني أمر شغلني عنك و عن غيرك، ثم سألها عن أصلها و من أين جلبوها، فقالت:
يا أمير المؤمنين إن أبى أصاب جناية ببلاد المغرب فصادره موسى بن نصير فأخذت في الجناية، و بعث بى إلى الوليد فوهبني الوليد إلى أخته فاطمة زوجتك، فأهدتنى إليك. فقال عمر: إنا للَّه و إنا إليه راجعون، كدنا و اللَّه نفتضح و نهلك، ثم أمر بردها مكرمة إلى بلادها و أهلها.
و قالت زوجته فاطمة: دخلت يوما عليه و هو جالس في مصلاه واضعا خده على يده و دموعه تسيل على خديه، فقلت: مالك؟ فقال: ويحك يا فاطمة، قد وليت من أمر هذه الأمة ما وليت، فتفكرت في الفقير الجائع، و المريض الضائع، و العاري المجهود، و اليتيم المكسور، و الأرملة الوحيدة و المظلوم المقهور. و الغريب و الأسير، و الشيخ الكبير، و ذي العيال الكثير، و المال القليل، و أشباههم في أقطار الأرض و أطراف البلاد، فعلمت أن ربى عز و جل سيسألني عنهم يوم القيامة، و أن خصمي دونهم محمد (صلى اللَّه عليه و سلم)، فخشيت أن لا يثبت لي حجة عند خصومته، فرحمت نفسي فبكيت.
و قال ميمون بن مهران ولانى عمر بن عبد العزيز عمالة ثم قال لي: إذا جاءك كتاب منى على غير الحق فاضرب به الأرض. و كتب إلى بعض عماله: إذا دعتك قدرتك على الناس إلى مظلمة، فاذكر قدرة اللَّه عليك و نفاد ما تأتى إليهم، و بقاء ما يأتون إليك. و قال عبد الرحمن بن مهدي عن جرير بن حازم عن عيسى بن عاصم قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن عدي: إن للإسلام سننا و فرائض و شرائع، فمن استكملها استكمل الايمان، و من لم يستكملها لم يستكمل الايمان، فان أعش أبينها لكم لتعملوا بها، و إن أمت فما أنا على صحبتكم بحريص. و ذكره البخاري في صحيحه تعليقا مجزوما به.
و ذكر الصولي أن عمر كتب إلى بعض عماله: عليك بتقوى اللَّه فإنها هي التي لا يقبل غيرها و لا يرحم إلا أهلها، و لا يثاب إلا عليها، و إن الواعظين بها كثير، و العاملين بها قليل. و قال: من علم أن كلامه من عمله قل كلامه إلا فيما يعنيه و ينفعه، و من أكثر ذكر الموت اجتزأ من الدنيا باليسير.
و قال: من لم يعد كلامه من عمله كثرت خطاياه، و من عبد اللَّه بغير علم كان ما يفسده أكثر مما يصلحه. و كلمه رجل يوما حتى أغضبه فهم به عمر ثم أمسك نفسه، ثم قال للرجل: أردت أن يستفزني الشيطان بعزة السلطان فأنال منك ما تناله منى غدا؟ قم عافاك اللَّه لا حاجة لنا في مقاولتك. و كان يقول: إن أحب الأمور إلى اللَّه القصد في الجد، و العفو في المقدرة، و الرّفق في الولاية، و ما رفق عبد