البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٠٣ - ثم دخلت سنة ثنتى عشرة و مائة
ثم دخلت سنة إحدى عشرة و مائة
ففيها غزا معاوية بن هشام الصائفة اليسرى [١]، و غزا سعيد بن هشام الصائفة اليمنى [٢]، حتى بلغ قيسارية من بلاد الروم. و فيها عزل هشام بن عبد الملك أشرس بن عبد اللَّه السلمي عن إمرة خراسان و ولى عليها الجنيد بن عبد الرحمن، فلما قدم خراسان تلقته خيول الأتراك منهزمين من المسلمين، و هو في سبعة آلاف فتصافوا و اقتتلوا قتالا شديدا، و طمعوا فيه و فيمن معه لقلتهم بالنسبة إليهم، و معهم ملكهم خاقان، و كاد الجنيد أن يهلك، ثم أظفره اللَّه بهم فهزمهم هزيمة منكرة، و أسر ابن أخى ملكهم، و بعث به إلى الخليفة. و حج بالناس فيها إبراهيم بن هشام المخزومي، و هو أمير الحرمين و الطائف، و أمير العراق خالد القسري، و أمير خراسان الجنيد بن عبد الرحمن المري.
ثم دخلت سنة ثنتى عشرة و مائة
فيها غزا معاوية بن هشام الصائفة فافتتح حصونا من ناحية ملاطية. و فيها سارت الترك من اللان فلقيهم الجراح بن عبد اللَّه الحكمي فيمن معه من أهل الشام و أذربيجان، فاقتتلوا قبل أن يتكامل إليه جيشه، فاستشهد الجراح (رحمه اللَّه) و جماعة معه بمرج أردبيل، و أخذ العدو أردبيل.
فلما بلغ ذلك هشام بن عبد الملك بعث سعيد بن عمرو الجرشى بجيش و أمره بالإسراع إليهم، فلحق الترك و هم يسيرون بأسارى المسلمين نحو ملكهم خاقان، فاستنقذ منهم الأسارى و من كان معهم من نساء المسلمين، و من أهل الذمة أيضا، و قتل من الترك مقتلة عظيمة جدا، و أسر منهم خلقا كثيرا فقتلهم صبرا، و شفى ما كان تغلث من القلوب، و لم يكتف الخليفة بذلك حتى أرسل أخاه مسلمة بن عبد الملك في أثر الترك، فسار إليهم في برد شديد و شتاء عظيم، فوصل إلى باب الأبواب و استخلف عنه أميرا و سار هو بمن معه في طلب الأتراك و ملكهم خاقان، و كان من أمره معهم ما سنذكره. و نهض أمير خراسان في طلب الأتراك أيضا في جيش كثيف، فوصل إلى نهر بلخ و وجه إليهم سرية ثمانية عشر ألفا، و أخرى عشرة آلاف يمنة و يسرة، و جاشت الترك و جيشت، فأتوا سمرقند فكتب أميرها إليه يعلمه بهم، و أنه لا يقدر على صون سمرقند منهم، و معهم ملكهم الأعظم خاقان، فالغوث الغوث. فسار الجنيد مسرعا في جيش كثيف هو نحو سمرقند حتى وصل إلى شعب سمرقند و بقي بينه و بينها أربعة فراسخ، فصبحه خاقان في جمع عظيم، فحمل خاقان على مقدمة الجنيد فانجازوا إلى العسكر و الترك تتبعهم من كل جانب، فتراءى الجمعان و المسلمون يتغدون و لا يشعرون بانهزام مقدمتهم و انحيازها إليهم، فنهضوا إلى السلاح و اصطفوا على منازلهم، و ذلك في مجال واسع، و مكان بارز، فالتقوا و حملت الترك على ميمنة المسلمين و فيها بنو تميم و الأزد، فقتل منهم و من غيرهم خلق
[١] أي البلاد الواقعة في ساحل بلاد الأناضول.
[٢] أي بر الاناضول من جهة البلاد الداخلية