البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٠ - ثم دخلت سنة خمس و سبعين
أتى برجل من بنى يشكر فقيل هذا عاص، فقال: إن بى فتقا و قد عذرني اللَّه و عذرني بشر بن مروان، و هذا عطائي مردود على بيت المال، فلم يقبل منه و أمر بقتله فقتل، ففزع أهل البصرة و خرجوا من البصرة حتى اجتمعوا عند قنطرة رامهرمز. و عليهم عبد اللَّه بن الجارود، و خرج إليهم الحجاج- و ذلك في شعبان من هذه السنة- في أمراء الجيش فاقتتلوا هناك قتالا شديدا، و قتل أميرهم عبد اللَّه بن الجارود في رءوس من القبائل معه، و أمر برءوسهم فقطعت و نصبت عند الجسر من رامهرمز، ثم بعث بها إلى المهلب فقوى بذلك و ضعف أمير الخوارج، و أرسل الحجاج إلى المهلب و عبد الرحمن بن مخنف فأمرهما بمناهضة الازارقة، فنهضا بمن معهما إلى الخوارج الأزارقة فأجلوهم عن أماكنهم من رامهرمز بأيسر قتال، فهربوا إلى أرض كازرون من إقليم سابور، و سار الناس وراءهم فالتقوا في العشر الأواخر من رمضان، فلما كان الليل بيت الخوارج المهلب من الليل فوجدوه قد تحصن بخندق حول معسكره، فجاءوا إلى عبد الرحمن بن مخنف فوجدوه غير محترز- و كان المهلب قد أمره بالاحتراز بخندق حوله فلم يفعل- فاقتتلوا في الليل فقتلت الخوارج عبد الرحمن بن مخنف و طائفة من جيشه و هزموهم هزيمة منكرة، و يقال إن الخوارج لما التقوا مع الناس في هذه الوقعة كان ذلك في يوم الأربعاء لعشرين بقين من رمضان، فاقتتلوا قتالا شديدا لم يعهد مثله من الخوارج، و حملت الخوارج على جيش المهلب بن أبى صفرة فاضطروه إلى معسكره، فجعل عبد الرحمن يمده بالخيل بعد الخيل، و الرجال بعد الرجال، فمالت الخوارج إلى معسكر عبد الرحمن بعد العصر فاقتتلوا معه إلى الليل، فقتل عبد الرحمن في أثناء الليل. و قتل معه طائفة كثيرة من أصحابه الذين ثبتوا معه، فلما كان الصباح جاء المهلب فصلى عليه و دفنه و كتب إلى الحجاج بمهلكه، فكتب الحجاج إلى عبد الملك يعزيه فيه فنعاه عبد الملك إلى الناس بمنى، و أمّر الحجاج مكانه عتاب بن ورقاء، و كتب إليه أن يطيع المهلب، فكره ذلك و لم يجد بدا من طاعة الحجاج، و كره أن يخالفه، فسار إلى المهلب فجعل لا يطيعه إلا ظاهرا و يعصيه كثيرا، ثم تقاولا فهم المهلب أن يوقع بعتاب ثم حجز بينهما الناس، فكتب عتاب إلى الحجاج يشكو المهلب فكتب إليه أن يقدم عليه و أعفاه من ذلك، و جعل المهلب مكانه ابنه حبيب بن المهلب.
و فيها خرج داود بن النعمان المازني بنواحي البصرة، فوجه إليه الحجاج أميرا على سرية فقتله.
قال ابن جرير: و في هذه السنة تحرك صالح بن مسرح أحد بنى امرئ القيس، و كان يرى رأى الصفرية، و قيل إنه أول من خرج من الصفرية، و كان سبب ذلك أنه حج بالناس في هذه السنة و معه شبيب بن يزيد، و البطين و أشباههم من رءوس الخوارج، و اتفق حج أمير المؤمنين عبد الملك فهم شبيب بالفتك به، فبلغ عبد الملك ذلك من خبره بعد انصرافه من الحج، فكتب عبد الملك