البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٥ - عبيد بن عمير
يا مولاي قد أعتقتنى فهب لي شيئا أعيش به فأعطاه أربعين ألفا، و اشترى مرة خمسة عبيد فقام يصلى فقاموا خلفه يصلون فقال: لمن صليتم هذه الصلاة؟ فقالوا: للَّه! فقال: أنتم أحرار لمن صليتم له، فأعتقهم. و المقصود أنه ما مات حتى أعتق ألف رقبة، و ربما تصدق في المجلس الواحد بثلاثين ألفا، و كانت تمضى عليه الأيام الكثيرة و الشهر لا يذوق فيه لحما إلا و على يديه يتيم، و بعث اليه معاوية بمائة ألف لما أراد أن يبايع ليزيد، فما حال عليه الحول و عنده منها شيء، و كان يقول: إني لا أسال أحدا شيئا، و ما رزقني اللَّه فلا أرده، و كان في مدة الفتنة لا يأتى أمير إلا صلى خلفه، و أدى إليه زكاة ماله، و كان أعلم الناس بمناسك الحج، و كان يتتبع آثار رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يصلى فيها، حتى أن النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) نزل تحت شجرة و كان ابن عمر يتعاهدها و يصب في أصلها الماء، و كان إذا فاتته العشاء في جماعة أحيا تلك الليلة، و كان يقوم أكثر الليل، و قيل إنه مات و هو في الفضل مثل أبيه، و كان يوم مات خير من بقي، و مكث ستين سنة يفتى الناس من سائر البلاد، و روى عن النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) أحاديث كثيرة، و روى عن الصديق و عن عمر و عثمان و سعد و ابن مسعود و حفصة و عائشة و غيرهم، و عنه خلق منهم بنوه حمزة و بلال و زيد و سالم و عبد اللَّه و عبيد اللَّه و عمر إن كان محفوظا، و أسلم مولى أبيه و أنس بن سيرين و الحسن و سعيد بن جبير و سعيد بن المسيب و طاووس و عروة و عطاء و عكرمة و مجاهد و ابن سيرين و الزهري و مولاه نافع.
و ثبت في الصحيح عن حفصة أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال: «إن عبد اللَّه رجل صالح لو كان يقوم الليل».
و كان بعد يقوم الليل، و قال ابن مسعود: إن من أملك شباب قريش لنفسه عن الدنيا ابن عمر. و قال جابر: ما منا أحد أدرك الدنيا إلا مالت به و مال بها، إلا ابن عمر، و ما أصاب أحد من الدنيا شيئا إلا نقص من درجاته عند اللَّه و إن كان عليه كريما، و قال سعيد بن المسيب:
مات ابن عمر يوم مات و ما من الدنيا أحد أحب أن لقي اللَّه بمثل عمله منه، و قال الزهري لا يعدل برأيه فإنه أقام بعد رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) ستين سنة، فلم يخف عليه شيء من أمره و لا من أمر أصحابه رضى اللَّه عنهم. و قال مالك: بلغ ابن عمر ستا و ثمانين سنة و أفتى في الإسلام ستين سنة، تقدم عليه وفود الناس من أقطار الأرض، قال الواقدي و جماعة: توفى ابن عمر سنة أربع و سبعين، و قال الزبير بن بكار و آخرون: توفى سنة ثلاث و سبعين و الأول أثبت و اللَّه أعلم.
عبيد بن عمير
ابن قتادة بن سعد بن عامر بن خندع بن ليث، الليثي ثم الخندعى، أبو عاصم المكيّ قاضى أهل مكة، قال مسلم بن الحجاج. ولد في حياة النبي (صلى اللَّه عليه و سلم)، و قال غيره و رآه أيضا، و روى عن أبيه، و له صحبة، و عن عمر و على و أبى هريرة و ابن عباس و ابن عمر و عبد اللَّه بن عمر و أم سلمة و غيرهم،