البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٢٦ - فصل
القيود عليه، فكبر الحجاج و كبر أصحابه و أشار جحدر يقول:
يا جمل إنك لو رأيت كريهتى* * * في يوم هول مسدف و عجاج
و تقدمى لليث أرسف موثقا* * * كيما أساوره على الأخراج
شثن براثنه كأن نيوبه* * * زرق المعاول أو شباة زجاج
يسمو بناظرتين تحسب فيهما* * * لهبا أحدّهما شعاع سراج
و كأنما خيطت عليه عباءة* * * برقاء أو خرقا من الديباج
لعلمت أنى ذو حفاظ ماجد* * * من نسل أقوام ذوى أبراج
فعند ذلك خيره الحجاج إن شاء أقام عنده، و إن شاء انطلق إلى بلاده، فاختار المقام عند الحجاج، فأحسن جائزته و أعطاه أموالا. و أنكر يوما أن يكون الحسين من ذرية رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) لأنه ابن بنته، فقال له يحيى بن يعمر: كذبت! فقال الحجاج: لتأتينى على ما قلت ببينة من كتاب اللَّه أو لأضربن عنقك، فقال قال اللَّه وَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَ سُلَيْمانَ إلى قوله وَ زَكَرِيَّا وَ يَحْيى وَ عِيسى فعيسى من ذرية إبراهيم، و هو إنما ينسب إلى أمه مريم، و الحسين ابن بنت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم).
فقال الحجاج: صدقت، و نفاه إلى خراسان.
و قد كان الحجاج مع فصاحته و بلاغته يلحن في حروف من القرآن أنكرها يحيى بن يعمر، منها أنه كان يبدل إن المكسورة بان المفتوحة و عكسه، و كان يقرأ قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَ أَبْناؤُكُمْ إلى قوله أَحَبَّ إِلَيْكُمْ فيقرأها برفع أحب. و قال الأصمعي و غيره: كتب عبد الملك إلى الحجاج يسأله عن أمس و اليوم و غد، فقال للرسول: أ كان خويلد بن يزيد بن معاوية عنده؟ قال: نعم! فكتب الحجاج إلى عبد الملك: أما أمس فأجل، و أما اليوم فعمل، و أما غدا فأمل. و قال ابن دريد عن أبى حاتم السجستاني عن أبى عبيدة معمر بن المثنى. قال: لما قتل الحجاج ابن الأشعث وصفت له العراق، وسع على الناس في العطاء، فكتب إليه عبد الملك: أما بعد فقد بلغ أمير المؤمنين أنك تنفق في اليوم ما لا ينفقه أمير المؤمنين في الأسبوع و تنفق في الأسبوع ما لا ينفقه أمير المؤمنين في الشهر، ثم قال منشدا:
عليك بتقوى اللَّه في الأمر كله* * * و كن يا عبيد اللَّه تخشى و تضرع
و وفر خراج المسلمين و فيأهم* * * و كن لهم حصنا تجير و تمنع
فكتب إليه الحجاج:
لعمري لقد جاء الرسول بكتبكم* * * قراطيس تملا ثم تطوى فتطبع
كتاب أتانى فيه لين و غلظة* * * و ذكرت و الذكرى لذي اللب تنفع