البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٢٧ - فصل
و كانت أمور تعتريني كثيرة* * * فأرضخ أو اعتل حينا فأمنع
إذا كنت سوطا من عذاب عليهم* * * و لم يك عندي بالمنافع مطمع
أ يرضى بذلك الناس أو يسخطونه* * * أم احمد فيهم أم ألام فأقذع
و كان بلاد جئتها حين جئتها* * * بها كل نيران العداوة تلمع
فقاسيت منها ما علمت و لم أزل* * * أصارع حتى كدت بالموت أصرع
و كم أرجفوا من رجفة قد سمعتها* * * و لو كان غيري طار مما يروع
و كنت إذا هموا بإحدى نهاتهم* * * حسرت لهم رأسي و لا أتقنع
فلو لم يذد عنى صناديد منهم* * * تقسم أعضائى ذئاب و أضبع
قال: فكتب إليه عبد الملك: أن اعمل برأيك. و قال الثوري عن محمد بن المستورد الجمحيّ قال: أتى الحجاج بسارق فقال له: لقد كنت غنيا أن تكسب جناية فيؤتى بك إلى الحاكم فيبطل عليك عضوا من أعضائك، فقال الرجل: إذا قلّ ذات اليد سخت النفس بالمتالف. قال: صدقت و اللَّه لو كان حسن اعتذار يبطل حدا لكنت له موضعا، يا غلام سيف صارم و رجل قاطع، فقطع يده. و قال أبو بكر بن مجاهد عن محمد بن الجهم عن الفراء قال: تغدى الحجاج يوما مع الوليد بن عبد الملك فلما انقضى غداؤهما دعاه الوليد إلى شرب النبيذ [١] فقال: يا أمير المؤمنين الحلال ما أحللت، و لكنى أنهى عنه أهل العراق و أهل عملي، و أكره أن أخالف قول العبد الصالح وَ ما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ. و قال عمر بن شبة عن أشياخه قال: كتب عبد الملك إلى الحجاج يعتب عليه في إسرافه في صرف الأموال، و سفك الدماء، و يقول: إنما المال مال اللَّه و نحن خزّانه، و سيان منع حق أو إعطاء باطل، و كتب في أسفل الكتاب هذه الأبيات:-
إذ أنت لم تترك أمورا كرهتها* * * و تطلب رضائي في الّذي أنا طالبه
و تخشى الّذي يخشاه مثلك هاربا* * * إلى اللَّه منه ضيع الدر حالبه
فان تر منى غفلة قرشية* * * فيا ربما قد غص بالماء شاربه
و إن تر منى وثبة أموية* * * فهذا و هذا كله أنا صاحبه
فلا تعد ما يأتيك منى فان تعد* * * تقم فاعلمن يوما عليك نوادبه
فلما قرأه الحجاج كتب: أما بعد فقد جاءني كتاب أمير المؤمنين يذكر فيه سرفى في الأموال،
[١] ما يسمى في هذا العصر نبيذا هو الخمر المحض، و هو غير ما كان يسميه سلفنا نبيذا. و النبيذ عندهم هو التمر أو الزبيب يترك عليه الماء و يسمونه بعد ذلك نبيذا سواء أسكر أو لم يسكر. و في كلتا الحالتين فإنه أشبه بعصير القصب اليوم إن لم يكن دونه.