البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٣٦ - إياس الذكي
و قال بعضهم: اكترى إياس بن معاوية من الشام قاصدا الحج، فركب معه في المحارة غيلان القدري، و لا يعرف أحدهما صاحبه، فمكثا ثلاثا لا يكلم أحدهما الآخر، فلما كان بعد ثلاث تحادثا فتعارفا و تعجب كل واحد منهما من اجتماعه مع صاحبه، لمباينة ما بينهما في الاعتقاد في القدر، فقال له إياس: هؤلاء أهل الجنة يقولون حين يدخلون الجنة: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَ ما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْ لا أَنْ هَدانَا اللَّهُ و يقول أهل النار رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا و تقول الملائكة سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا ثم ذكر له من أشعار العرب و أمثال العجم ما فيه إثبات القدر ثم اجتمع مرة أخرى إياس و غيلان عند عمر بن عبد العزيز فناظر بينهما فقهره إياس، و ما زال يحصره في الكلام حتى اعترف غيلان بالعجز و أظهر التوبة، فدعا عليه عمر بن عبد العزيز إن كان كاذبا، فاستجاب اللَّه منه فأمكن من غيلان فقتل و صلب بعد ذلك و للَّه الحمد و المنة.
و من كلام إياس الحسن: لأن يكون في فعال الرجل فضل عن مقاله خير من أن يكون في مقاله فضل عن فعاله. و قال سفيان بن حسين: ذكرت رجلا بسوء عند إياس بن معاوية فنظر في وجهي و قال:
أ غزوت الروم؟ قلت: لا! قال: السند و الهند و الترك؟ قلت: لا. قال: أ فسلم منك الروم و السند و الهند و الترك و لم يسلم منك أخوك المسلم؟ قال: فلم أعد بعدها. و قال الأصمعي عن أبيه: رأيت إياس بن معاوية في بيت ثابت البناني، و إذا هو أحمر طويل الذراع غليظ الثياب، يلون عمامته، و هو قد غلب على الكلام فلا يتكلم معه أحد إلا علاه، و قد قال له بعضهم: ليس فيك عيب سوى كثرة كلامك، فقال: بحق أتكلم أم بباطل؟ فقيل بل بحق، فقال: كلما كثر الحق فهو خير، و لامه بعضهم في لباسه الثياب الغليظة فقال: إنما ألبس ثوبا يخدمني و لا ألبس ثوبا أخدمه، و قال الأصمعي قال إياس بن معاوية: إن أشرف خصال الرجل صدق اللسان، و من عدم فضيلة الصدق فقد فجع بأكرم أخلاقه. و قال بعضهم: سأل رجل إياسا عن النبيذ فقال: هو حرام، فقال الرجل:
فأخبرني عن الماء فقال: حلال، قال: فالكسور، قال: حلال، قال فالتمر قال حلال، قال فما باله إذا اجتمع حرم؟ فقال إياس: أ رأيت لو رميتك بهذه الحفنة من التراب أ توجعك؟ قال: لا، قال: فهذه الحفنة من التبن؟ قال لا توجعني، قال: فهذه الغرفة من الماء؟ قال لا توجعني شيئا، قال: أ فرأيت إن خلطت هذا بهذا و هذا بهذا حتى صار طينا ثم تركته حتى استحجر ثم رميتك أ يوجعك؟ قال: إي و اللَّه و تقتلني، قال: فكذلك تلك الأشياء إذا اجتمعت. و قال المدائني: بعث عمر بن عبد العزيز عدي ابن أرطاة على البصرة نائبا و أمره أن يجمع بين إياس و القاسم بن ربيعة الجوشنى، فأيهما كان أفقه فليوله القضاء، فقال إياس و هو يريد أن لا يتولى: أيها الرجل سل فقيهي البصرة، الحسن و ابن سيرين، و كان إياس لا يأتيهما، فعرف القاسم أنه إن سألهما أشارا به- يعنى بالقاسم- لأنه كان