البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٥٩ - سنة عشر و مائة من الهجرة النبويّة
بما في يد اللَّه أوثق مما في يده، ألا أنبئكم بشراركم؟ قالوا: نعم يا رسول اللَّه، قال: من نزل وحده، و منع رفده، و جلد عبده، أ فأنبئكم بشر من هذا؟ قالوا: نعم يا رسول اللَّه، قال: من لا يقيل عثرة و لا يقبل معذرة، و لا يغفر ذنبا، ثم قال: ألا أنبئكم بشر من هذا؟ قالوا: نعم يا رسول اللَّه، قال:
من لا يرجى خيره، و لا يؤمن شره، إن عيسى بن مريم قام في بنى إسرائيل خطيبا فقال: يا بنى إسرائيل لا تكلموا بالحكمة عند الجهال فتظلموها، و لا تمنعوها أهلها فتظلموها- و قال مرة فتظلموهم- و لا تظلموا ظالما، و لا تطاولوا ظالما فيبطل فضلكم عند ربكم، يا بنى إسرائيل الأمور ثلاثة، أمر تبين رشده فاتبعوه، و أمر تبين غيه فاجتنبوه، و امر اختلف فيه فردوه إلى اللَّه».
و هذه الألفاظ لا تحفظ عن النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) بهذا السياق إلا من حديث محمد بن كعب عن ابن عباس، و قد روى أول الحديث إلى ذكر عيسى من غير طريقه، و سيأتي أن هذا الحديث تفرد به الطبراني بطوله و اللَّه سبحانه و تعالى أعلم] [١] و فيها توفى أبو نضرة المنذر بن مالك بن قطعة العبديّ، و قد ذكرنا تراجمهم في كتابنا التكميل.
ثم دخلت سنة تسع و مائة
ففيها عزل هشام بن عبد الملك أسد بن عبد اللَّه القسري عن إمرة خراسان و أمره أن يقدم إلى الحج، فأقبل منها في رمضان، و استخلف على خراسان الحكم بن عوانة الكلبي، و استناب هشام على خراسان أشرس بن عبد اللَّه السلمي، و أمره أن يكاتب خالد بن عبد اللَّه القسري، و كان أشرس فاضلا خيرا، و كان سمى الكامل لذلك، و كان أول من اتخذ المرابطة بخراسان، و استعمل المرابطة عبد الملك بن زياد الباهلي، و تولى هو الأمور بنفسه كبيرها و صغيرها، ففرح بها أهلها. و فيها حج بالناس إبراهيم بن هشام أمير الحرمين.
سنة عشر و مائة من الهجرة النبويّة
فيها قاتل مسلمة بن عبد الملك ملك الترك الأعظم خاقان، فزحف إلى مسلمة في جموع عظيمة فتواقفوا نحوا من شهر، ثم هزم اللَّه خاقان زمن الشتاء، و رجع مسلمة سالما غانما، فسلك على مسلك ذي القرنين في رجوعه إلى الشام، و تسمى هذه الغزاة غزاة الطين، و ذلك أنهم سلكوا على مغارق و مواضع غرق فيها دواب كثيرة، و توحل فيها خلق كثير، فما نجوا حتى قاسوا شدائد و أهوالا صعابا و شدائد عظاما، و فيها دعا أشرس بن عبد اللَّه السلمي نائب خراسان أهل الذمة بسمرقند و من وراء النهر إلى الدخول في الإسلام، و يضع عنهم الجزية فأجابوه إلى ذلك، و أسلم غالبهم، ثم طالبهم
[١] زيادة من المصرية.