البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٧٤ - ثم دخلت سنة ثمان و تسعين
و قد جرت له عجائب في فتحه بلاد الأندلس و قال: و لو انقاد الناس لي لقدتهم حتى أفتح بهم مدينة رومية- و هي المدينة العظمى في بلاد الفرنج- ثم ليفتحها اللَّه على يدي إن شاء اللَّه تعالى، و لما قدم على الوليد قدم معه بثلاثين ألفا من السبي غير ما ذكرنا، و ذلك خمس ما كان غنمه في آخر غزاة غزاها ببلاد المغرب، و قدم معه من الأموال و التحف و اللآلي و الجواهر ما لا يحد و لا يوصف، و لم يزل مقيما بدمشق حتى مات الوليد و تولى سليمان، و كان سليمان عاتبا على موسى فحبسه عنده و طالبه بأموال عظيمة، و لم يزل في يده حتى حج بالناس سليمان في هذه السنة و أخذه معه فمات بالمدينة، و قيل بوادي القرى، و قد قارب الثمانين، و قيل توفى في سنة تسع و تسعين فاللَّه أعلم و (رحمه اللَّه) و عفا عنه بمنه و فضله آمين.
ثم دخلت سنة ثمان و تسعين
ففي هذه السنة جهز سليمان بن عبد الملك أمير المؤمنين أخاه مسلمة بن عبد الملك لغزو القسطنطينية وراء الجيش الذين هم بها، فسار إليها و معه جيش عظيم، ثم التفّ عليه ذلك الجيش الذين هم هناك و قد أمر كل رجل من الجيش أن يحمل معه على ظهر فرسه مدين من طعام، فلما وصل إليها جمعوا ذلك فإذا هو أمثال الجبال، فقال لهم مسلمة: اتركوا هذا الطعام و كلوا مما تجدونه في بلادهم، و ازرعوا في أماكن الزرع و استغلوه، و ابنوا لكم بيوتا من خشب، فانا لا نرجع عن هذا البلد إلا أن نفتحها إن شاء اللَّه. ثم إن مسلمة داخل رجلا من النصارى يقال له اليون، و واطأه في الباطن ليأخذ له بلاد الروم، فظهر منه نصح في بادئ الأمر، ثم إنه توفى ملك القسطنطينية، فدخل إليون في رسالة من مسلمة و قد خافته الروم خوفا شديدا، فلما دخل إليهم إليون قالوا له: رده عنا و نحن نملكك علينا فخرج فأعمل الحيلة في الغدر و المكر، و لم يزل قبحه اللَّه حتى أحرق ذلك الطعام الّذي للمسلمين، و ذلك أنه قال لمسلمة: إنهم ما داموا يرون هذا الطعام يظنون أنك تطاولهم في القتال، فلو أحرقته لتحققوا منك العزم، و سلموا إليك البلد سريعا، فأمر مسلمة بالطعام فأحرق، ثم انشمر إليون في السفن و أخذ ما أمكنه من أمتعة الجيش في الليل، و أصبح و هو في البلد محاربا للمسلمين، و أظهر العداوة الأكيدة، و تحصن و اجتمعت عليه الروم، و ضاق الحال على المسلمين حتى أكلوا كل شيء إلا التراب، فلم يزل ذلك دأبهم حتى جاءتهم وفاة سليمان بن عبد الملك و تولية عمر بن عبد العزيز، فكروا راجعين إلى الشام، و قد جهدوا جهدا شديدا، لكن لم يرجع مسلمة حتى بنى مسجدا بالقسطنطينية شديد البناء محكما، رحب الفناء شاهقا في السماء.
و قال الواقدي: لما ولى سليمان بن عبد الملك أراد الاقامة ببيت المقدس، ثم يرسل العساكر إلى القسطنطينية، فأشار عليه موسى بن نصير بأن يفتح ما دونها من المدن و الرساتيق و الحصون،