البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٤٧ - ثم دخلت سنة ست و تسعين
كنيسة القدس، و هي قمامة، و كنيسة الرها، و سائر آثار الروم، فبعث ملك الروم إليه صناعا كثيرة جدا، مائتي صانع، و كتب إليه يقول: إن كان أبوك فهم هذا الّذي تصنعه و تركه فإنه لوصمة عليك، و إن لم يكن فهمه و فهمت أنت لوصمة عليه، فلما وصل ذلك إلى الوليد أراد أن يجيب عن ذلك، و اجتمع الناس عنده لذلك، فكان فيهم الفرزدق الشاعر، فقال: أنا أجيبه يا أمير المؤمنين من كتاب اللَّه. قال الوليد: و ما هو ويحك؟ فقال قال اللَّه تعالى فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وَ كُلًّا آتَيْنا حُكْماً وَ عِلْماً و سليمان هو ابن داود، ففهمه اللَّه ما لم يفهمه أبوه. فأعجب ذلك الوليد فأرسل به جوابا إلى ملك الروم. و قد قال الفرزدق في ذلك:-
فرقت بين النصارى في كنائسهم* * * و العابدين مع الأسحار و العنم
و هم جميعا إذا صلوا و أوجههم* * * شتى إذا سجدوا للَّه و الصنم
و كيف يجتمع الناقوس يضربه* * * أهل الصليب مع القراء لم تنم
فهمت تحويلها عنهم كما فهما* * * إذ يحكمان لهم في الحرث و الغنم
داود و الملك المهدي إذ جزآ* * * ولادها و اجتزاز الصوف بالجلم
فهمك اللَّه تحويلا لبيعتهم* * * عن مسجد فيه يتلى طيب الكلم
ما من أب حملته الأرض نعلمه* * * خير بنين و لا خير من الحكم
قال الحافظ عبد الرحمن بن إبراهيم دحيم الدمشقيّ: بنى الوليد ما كان داخل حيطان المسجد و زاد في سمك الحيطان. و قال الحسن بن يحيى الخشنيّ: إن هودا (عليه السلام) هو الّذي بنى الحائط القبلي من مسجد دمشق. و قال غيره: لما أراد الوليد بناء القبة التي وسط الرواقات- و هي قبة النسر و هو اسم حادث لها، و كأنهم شبهوها بالنسر في شكله، لأن الرواقات عن يمينها و شمالها كالأجنحة لها- حفر لأركانها حتى وصلوا إلى الماء و شربوا منه ماء عذبا زلالا، ثم إنهم وضعوا فيه زيادة الكرم، و بنوا فوقها بالحجارة، فلما ارتفعت الأركان بنوا عليها القبة فسقطت، فقال الوليد لبعض المهندسين:
أريد أن تبنى لي أنت هذه القبة، فقال: على أن تعطيني عهد اللَّه و ميثاقه على أن لا يبنيها أحد غيري، ففعل. فبنى الأركان ثم غلفها بالبواري، و غاب عنها سنة كاملة لا يدرى الوليد أين ذهب، فلما كان بعد السنة حضر، فهمّ به الوليد فأخذه و معه رءوس الناس، فكشف البواري عن الأركان فإذا هي قد هبطت بعد ارتفاعها حتى ساوت الأرض، فقال له: من هذا أتيت، ثم بناها فانعقدت.
و قال بعضهم: أراد الوليد أن يجعل بيضة القبة من ذهب خالص ليعظم بذلك شأن هذا البناء، فقال له المعمار: إنك لا تقدر على ذلك، فضربه خمسين سوطا، و قال له: ويلك! أنا لا أقدر على ذلك و تزعم أنى أعجز عنه؟ و خراج الأرض و أموالها تجبى إلى؟ قال: نعم أنا أبين لك ذلك، قال: فبين