البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢١٦ - فصل
اللَّه و أمره، فان استطعت أن تلقاهم يوم القيامة و هم محبوسون مرتهنون بما عليهم، و أنت غير محبوس و لامرتهن بشيء فافعل، و استعن باللَّه و لا قوة إلا باللَّه سبحانه.
و ما ملك عما قليل بسالم* * * و لو كثرت أحراسه و مواكبه
و من كان ذا باب شديد و حاجب* * * فعما قليل يهجر الباب حاجبه
و ما كان غير الموت حتى تفرقت* * * إلى غيره أعوانه و حبائبه
فأصبح مسرورا به كل حاسد* * * و أسلمه أصحابه و حبائبه
و قيل إن هذه الأبيات لغيره.
و قال ابن أبى الدنيا في كتاب الإخلاص: حدثنا عاصم بن عامر حدثنا أبى عن عبد ربه بن أبى هلال عن ميمون بن مهران قال: تكلم عمر بن عبد العزيز ذات يوم و عنده رهط من إخوانه ففتح له منطق و موعظة حسنة، فنظر إلى رجل من جلسائه و قد ذرفت عيناه بالدموع، فلما رأى ذلك عمر قطع منطقه، فقلت له: يا أمير المؤمنين امض في موعظتك فانى أرجو أن يمنّ اللَّه به على من سمعه أو بلغه، فقال:
إليك عنى يا أبا أيوب، فان في القول على الناس فتنة لا يخلص من شرها متكلم عليهم، و الفعال أولى بالمؤمنين من المقال. و روى ابن أبى الدنيا عنه أنه قال: استعملنا أقواما كنا نرى أنهم أبرار أخيار، فلما استعملناهم إذا هم يعملون أعمال الفجار، قاتلهم اللَّه، أما كانوا يمشون على القبور!! و روى عبد الرزاق قال: سمعت معمرا يذكر قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن أرطاة- و بلغه عنه بعض ما يكره-: أما بعد فإنه غرني بك مجالستك القراء، و عمامتك السوداء، و إرسالك إياها من وراء ظهرك، و إنك أحسنت العلانية فأحسنا بك الظن، و قد أطلعنا اللَّه على كثير مما تعملون.
و روى الطبراني و الدارقطنيّ و غير واحد من أهل العلم بأسانيدهم إلى عمر بن عبد العزيز أنه كتب إلى عامل له: أما بعد فانى أوصيك بتقوى اللَّه و اتباع سنة رسوله، و الاقتصاد في أمره، و ترك ما أحدث المحدثون بعده، ممن قد حارب سنته، و كفوا مؤنته، ثم اعلم أنه لم تكن بدعة إلا و قد مضى قبلها ما هو دليل على بطلانها- أو قال دليل عليها- فعليك لزوم السنة، فإنه إنما سنها من قد علم ما في خلافها من الزيغ و الزلل، و الحمق و الخطأ و التعمق، و لهم كانوا على كشف الأمور أقوى، و على العمل الشديد أشد، و إنما كان عملهم على الأسد، و لو كان فيما تحملون أنفسكم فضل لكانوا فيه أحرى، و إليه أجرى، لأنهم السابقون إلى كل خير، فان قلت: قد حدث بعدهم خير، فاعلم أنه إنما أحدثه من قد اتبع غير سبيل المؤمنين، و حاد عن طريقهم، و رغبت نفسه عنهم، و لقد تكلموا منه ما يكفى، و وصفوا منه ما يشفى، فأين لا أين، فمن دونهم مقصر، و من فوقهم غير محسن، و لقد