البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٠٥ - فصل
و قال على بن زيد: ما رأيت رجلين كأن النار لم تخلق إلا لهما مثل الحسن و عمر بن عبد العزيز.
و قال بعضهم: رأيته يبكى حتى بكى دما، قالوا: و كان إذا أوى إلى فراشه قرأ إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ الآية، و يقرأ أَ فَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا بَياتاً وَ هُمْ نائِمُونَ و نحو هذه الآيات، و كان يجتمع كل ليلة إليه أصحابه من الفقهاء فلا يذكرون إلا الموت و الآخرة، ثم يبكون حتى كأن بينهم جنازة، و قال أبو بكر الصولي: كان عمر بن عبد العزيز يتمثل بقول الشاعر:
فما تزود مما كان يجمعه* * * سوى حنوط غداة البين في خرق
و غير نفحة أعواد تشبّ له* * * و قلّ ذلك من زاد لمنطلق
بأيما بلد كانت منيته* * * إن لا يسر طائعا في قصدها يسق
و نظر عمر بن عبد العزيز و هو في جنازة إلى قوم قد تلثموا من الغبار و الشمس و انحازوا إلى الظل فبكى و أنشد:
من كان حين تصيب الشمس جبهته* * * أو الغبار يخاف الشين و الشعثا
و يألف الظل كي تبقى بشاشنة* * * فسوف يسكن يوما راغما جدثا
في قعر مظلمة غبراء موحشة* * * يطيل في قعرها تحت الثرى اللبثا
تجهزى بجهاز تبلغين به* * * يا نفس قبل الردى لم تخلقى عبثا
[هذه الأبيات ذكرها الآجري في أدب النفوس بزيادة فيها فقال: أخبرنا أبو بكر أنبأنا أبو حفص عمر بن سعد القراطيسي حدثنا أبو بكر بن عبد اللَّه بن أبى الدنيا حدثني محمد بن صالح القرشي أخبرنى عمر بن الخطاب الأزدي حدثني ابن لعبد الصمد بن عبد الأعلى بن أبى عمرة قال:
أراد عمر بن عبد العزيز أن يبعثه رسولا إلى اليون طاغية الروم يدعوه إلى الإسلام، فقال له عبد الأعلى: يا أمير المؤمنين! ائذن لي في بعض بنى يخرج معى- و كان عبد الأعلى له عشرة من الذكور- فقال له: انظر من يخرج معك من ولدك. فقال: عبد اللَّه، فقال له عمر: إني رأيت ابنك عبد اللَّه يمشى مشية كرهتها منه و مقته عليها، و بلغني أنه يقول الشعر. فقال عبد الأعلى: أما مشيته تلك فغريزة فيه، و أما الشعر فإنما هو نواحة ينوح بها على نفسه، فقال له: مر عبد اللَّه يأتينى و خذ معك غيره، فراح عبد الأعلى بابنه عبد اللَّه إليه، فاستنشده فأنشده ذلك الشعر المتقدم:
تجهزى بجهاز تبلغين به* * * يا نفس قبل الردى لم تخلقى عبثا
و لا تكدى لمن يبقى و تفتقرى* * * إن الردى وارث الباقي و ما ورثا
و أخشى حوادث صرف الدهر في مهل* * * و استيقظى لا تكوني كالذي بحثا
عن مدية كان فيها قطع مدته* * * فوافت الحرث موفورا كما حرثا