البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١١١ - على بن الحسين
مليك عزيز لا يرد قضاؤه* * * حكيم عليم نافذ الأمر قاهر
عنى كل ذي عز لعزة وجهه* * * فكم من عزيز للمهيمن صاغر
لقد خضعت و استسلمت و تضاءلت* * * لعزة ذي العرش الملوك الجبابر
فالبدار البدار و الحذار الحذار من الدنيا و مكايدها، و ما نصبت لك من مصايدها، و تحلت لك من زينتها، و أظهرت لك من بهجتها، و أبرزت لك من شهواتها، و أخفت عنك من قواتلها و هلكاتها،
و في دون ما عاينت من فجعاتها* * * إلى دفعها داع و بالزهد آمر
فجد و لا تغفل و كن متيقظا* * * فعما قليل يترك الدار عامر
فشمر و لا تفتر فعمرك زائل* * * و أنت إلى دار الاقامة صائر
و لا تطلب الدنيا فان نعيمها* * * و إن نلت منها غبه لك ضائر
فهل يحرص عليها لبيب، أو يسر بها أريب؟ و هو على ثقة من فنائها، و غير طامع في بقائها، أم كيف تنام عينا من يخشى البيات، و تسكن نفس من توقع في جميع أموره الممات.
ألا لا و لكنا نغرّ نفوسنا* * * و تشغلنا اللذات عما نحاذر
و كيف يلذ العيش من هو موقف* * * بموقف عدل يوم تبلى السرائر
كأنا نرى أن لا نشور و أننا* * * سدى مالنا بعد الممات مصادر
و ما عسى أن ينال صاحب الدنيا من لذتها و يتمتع به من بهجتها، مع صنوف عجائبها و قوارع فجائعها، و كثرة عذابه في مصابها و في طلبها، و ما يكابد من أسقامها و أوصابها و آلامها
أما قد نرى في كل يوم و ليلة* * * يروح علينا صرفها و يباكر
تعاورنا آفاتها و همومها* * * و كم قد ترى يبقى لها المتعاور
فلا هو مغبوط بدنياه آمن* * * و لا هو عن تطلابها النفس قاصر
كم قد غرت الدنيا من مخلد إليها، و صرعت من مكب عليها، فلم تنعشه من عثرته، و لم تنقذه من صرعته، و لم تشفه من ألمه، و لم تبره من سقمه. و لم تخلصه من وصمه.
بل أوردته بعد عز و منعة* * * موارد سوء ما لهن مصادر] [١]
فلما رأى أن لا نجاة و أنه* * * هو الموت لا ينجيه منه التحاذر
تندم إذ لم تغن عنه ندامة* * * عليه و أبكته الذنوب الكبائر
إذ بكى على ما سلف من خطاياه، و تحسر على ما خلف من دنياه، و استغفر حتى لا ينفعه الاستغفار، و لا ينجيه الاعتذار، عند هول المنية و نزول البلية.
[١] سقط من المصرية.