البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٦٣ - جرير الشاعر
ساعة ثم إنها بعد قالت* * * ويلنا قد عجلت يا ابن الكرام
أعلى غير موعد جئت تسرى* * * تتخطى إلى رءوس النيام
ما تجشمت ما تريد من الأمر* * * و لا حيت طارقا لخصام
فلو كان عدو اللَّه إذ فجر كتم و ستر على نفسه، لا يدخل و اللَّه أبدا، فمن بالباب سواه؟ قال:
همام بن غالب- يعنى الفرزدق- فقال عمر: أو ليس هو الّذي يقول في شعره:
هما دليانى من ثمانين قامة* * * كما انقض باز أقتم الريش كاسره
فلما استوت رجلاي بالأرض قالتا* * * أ حىّ يرجّى أم قتيل نحاذره
لا يطأ و اللَّه بساطي و هو كاذب، فمن سواه بالباب؟ قال: الأخطل، قال: أو ليس هو الّذي يقول:
و لست بصائم رمضان طوعا* * * و لست بآكل لحم الأضاحي
و لست بزاجر عيسا بكور* * * إلى بطحاء مكة للنجاح
و لست بزائر بيتا بعيدا* * * بمكة أبتغي فيه صلاحي
و لست بقائم كالعير أدعو* * * قبيل الصبح حي على الفلاح
و لكنى سأشربها شمولا* * * و أسجد عند منبلج الصباح
و اللَّه لا يدخل على و هو كافر أبدا، فهل بالباب سوى من ذكرت؟ قال: نعم الأحوص، قال:
أ ليس هو الّذي يقول:
اللَّه بيني و بين سيدها* * * يفر منى بها و أتبعه
فما هو دون من ذكرت، فمن هاهنا غيره؟ قال جميل بن معمر، قال: الّذي يقول:-
ألا ليتنا نحيا جميعا و إن نمت* * * يوافق في الموتى خريجى خريجها
فما أنا في طول الحياة براغب* * * إذا قيل قد سوى عليها صفيحها
فلو كان عدو اللَّه تمنى لقاءها في الدنيا ليعمل بذلك صالحا و يتوب، و اللَّه لا يدخل على أبدا، فهل بالباب أحد سوى ذلك؟ قلت: جرير، قال أما إنه الّذي يقول:
طرقتك صائدة القلوب و ليس ذا* * * حين الزيارة فارجعى بسلام
فان كان لا بد فأذن لجرير، فأذن له فدخل على عمر و هو يقول:
إن الّذي بعث النبي محمدا* * * جعل الخلافة للإمام العادل
وسع الخلائق عدله و وفاؤه* * * حتى ارعوى و أقام ميل المائل
إني لأرجو منك خيرا عاجلا* * * و النفس مولعة بحب العاجل
فقال له: ويحك يا جرير، اتّق اللَّه فيما تقول، ثم إن جريرا استأذن عمر في الإنشاد فلم يأذن له و لم