البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٦٢ - جرير الشاعر
و هذا البيت تستدل به الجهمية على أن الاستواء على العرش بمعنى الاستيلاء، و هذا من تحريف الكلم عن مواضعه، و ليس في بيت هذا النصراني حجة و لا دليل على ذلك، و لا أراد اللَّه عز و جل باستوائه على عرشه استيلاءه عليه، تعالى اللَّه عن قول الجهمية علوا كبيرا، فإنه إنما يقال استوى على الشيء إذا كان ذلك الشيء عاصيا عليه قبل استيلائه عليه، كاستيلاء بشر على العراق، و استيلاء الملك على المدينة بعد عصيانها عليه، و عرش الرب لم يكن ممتنعا عليه نفسا واحدا، حتى يقال استوى عليه، أو معنى الاستواء الاستيلاء، و لا تجد أضعف من حجج الجهمية، حتى أداهم الإفلاس من الحجج إلى بيت هذا النصراني المقبوح و ليس فيه حجة و اللَّه أعلم.
و قال الهيثم بن عدي عن عوانة بن الحكم قال: لما استخلف عمر بن عبد العزيز وفد إليه الشعراء فمكثوا ببابه أياما لا يؤذن لهم و لا يلتفت إليهم، فساءهم ذلك و هموا بالرجوع إلى بلادهم، فمر بهم رجاء بن حيوة فقال له جرير:-
يا أيها الرجل المرخى عمامته* * * هذا زمانك فاستأذن لنا عمرا
فدخل و لم يذكر لعمر من أمرهم شيئا، فمرّ بهم عدي بن أرطاة فقال له جرير منشدا:
يا أيها الراكب المرخى مطيته* * * هذا زمانك إني قد مضى زمنى
أبلغ خليفتنا إن كنت لاقيه* * * أنى لدى الباب كالمصفود في قرن
لا تنس حاجتنا لاقيت مغفرة* * * قد طال مكثي عن أهلي و عن وطني
فدخل عدي على عمر بن عبد العزيز فقال: يا أمير المؤمنين الشعراء ببابك و سهامهم مسمومة و أقوالهم نافذة، فقال: ويحك يا عدي، ما لي و للشعراء، فقال: يا أمير المؤمنين إن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قد كان يسمع الشعر و يجزى عليه، و قد أنشده العباس بن مرداس مدحه فأعطاه حلة، فقال له عمر: أ تروي منها شيئا؟ قال: نعم فأنشده:-
رأيتك يا خير البرية كلها* * * نشرت كتابا جاء بالحق معلما
شرعت لنا دين الهدى بعد جورنا* * * عن الحق لما أصبح الحق مظلما
و نوّرت بالبرهان أمرا مدلسا* * * و اطفأت بالقرآن نارا تضرما
فمن مبلغ عنى النبي محمدا* * * و كل امرئ يجزى بما كان قدما
أقمت سبيل الحق بعد اعوجاجه* * * و كان قديما ركنه قد تهدما
تعالى علوا فوق عرش إلهنا* * * و كان مكان اللَّه أعلا و أعظما
فقال عمر: من بالباب منهم؟ فقال: عمر بن أبى ربيعة، فقال أ ليس هو الّذي يقول:
ثم نبهتها فهبت كعابا* * * طفلة ما تبين رجع الكلام