البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٤١ - وقعة دير الجماجم
الثغور و الطرق و المسالك. ثم إن الحجاج ركب فيمن معه من الجيوش الشامية من البصرة في البر حتى مر بين القادسية و العذيب و بعث إليه ابن الأشعث عبد الرحمن بن العباس في خيل عظيمة من المصرين فمنعوا الحجاج من دخول القادسية، فسار الحجاج حتى نزل دير قره، و جاء ابن الأشعث بمن معه من الجيوش البصرية و الكوفية حتى نزل دير الجماجم، و معه جنود كثيرة، و فيهم القراء و خلق من الصالحين، و كان الحجاج بعد ذلك يقول: قاتل اللَّه ابن الأشعث، أما كان يزجر الطير حيث رآني قد نزلت دير قره، و نزل هو بدير الجماجم. و كان جملة من اجتمع مع ابن الأشعث مائة ألف مقاتل ممن يأخذ العطاء، و معهم مثلهم من مواليهم، و قدم على الحجاج في غبون ذلك أمداد كثيرة من الشام، و خندق كل من الطائفتين على نفسه و حول جيشه خندقا يمتنع به من الوصول إليهم، غير أن الناس كان يبرز بعضهم لبعض في كل يوم فيقتتلون قتالا شديدا في كل حين، حتى أصيب من رءوس الناس خلق من قريش و غيرهم، و استمر هذا الحال مدة طويلة، و اجتمع الأمراء من أهل المشورة عند عبد الملك بن مروان فقالوا له: إن كان أهل العراق يرضيهم منك أن تعزل عنهم الحجاج فهو أيسر من قتالهم و سفك دمائهم، فاستحضر عبد الملك عند ذلك أخاه محمد بن مروان و ابنه عبد اللَّه بن عبد الملك بن مروان، و معهما جنود كثيرة جدا، و كتب معهما كتابا إلى أهل العراق يقول لهم: إن كان يرضيكم منى عزل الحجاج عنكم عزلته عنكم، و بعثت عليكم أعطياتكم مثل أهل الشام، و ليختر ابن الأشعث أي بلد شاء يكون عليه أميرا ما عاش و عشت، و تكون إمرة العراق لمحمد بن مروان، و قال في عهده هذا: فان لم تجب أهل العراق إلى ذلك فالحجاج على ما هو عليه و إليه إمرة الحرب، و محمد بن مروان و عبد اللَّه بن عبد الملك في طاعة الحجاج و تحت أمره لا يخرجون عن رأيه في الحرب و غيره.
و لما بلغ الحجاج ما كتب به عبد الملك إلى أهل العراق من عزله إن رضوا به شق عليه ذلك مشقة عظيمة جدا و عظم شأن هذا الرأى عنده، و كتب إلى عبد الملك: يا أمير المؤمنين و اللَّه لئن أعطيت أهل العراق نزعى عنهم لا يلبثون إلا قليلا حتى يخالفوك و يسيروا إليك، و لا يزيدهم ذلك إلا جرأة عليك، أ لم تر و تسمع بوثوب أهل العراق مع الأشتر النخعي على ابن عفان؟ فلما سألهم ما تريدون؟ قالوا: نزع سعيد بن العاص، فلما نزعه لم تتم لهم السنة حتى ساروا إليه فقتلوه؟
و إن الحديد بالحديد يفلح، كان اللَّه لك فيما ارتأيت و السلام عليك.
قال: فأبى عبد الملك إلا عرض هذه الخصال على أهل العراق كما أمر، فتقدم عبد اللَّه و محمد فنادى عبد اللَّه: يا معشر أهل العراق، أنا عبد اللَّه ابن أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان، و إنه يعرض عليكم كيت و كيت، فذكر ما كتب به أبوه معه إليهم من هذه الخصال، و قال محمد بن مروان: و أنا رسول