البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٨ - ثم دخلت سنة سبع و سبعين
بلغ الصراة، و خرج إليه الحجاج بمن معه من الشاميين و غيرهم، فلما تواجه الفريقان نظر الحجاج إلى شبيب و هو في ستمائة فخطب الحجاج أهل الشام و قال: يا أهل الشام أنتم أهل السمع و الطاعة و الصبر و اليقين لا يغلبن باطل هؤلاء الأراجس حقكم، غضوا الأبصار و اجثوا على الركب، و استقبلوا بأطراف الأسنة، ففعلوا ذلك، و أقبل شبيب و قد عبى أصحابه ثلاث فرق، واحدة معه، و أخرى مع سويد ابن سليم، و أخرى مع المجلل بن وائل. و أمر شبيب سويدا أن يحمل فحمل على جيش الحجاج فصبروا له حتى إذا دنا منهم وثبوا إليه وثبة واحدة فانهزم عنهم، فنادى الحجاج: يا أهل السمع و الطاعة هكذا فافعلوا، ثم أمر الحجاج فقدم كرسيه الّذي هو جالس عليه إلى الامام، ثم أمر شبيب المجلل أن يحمل فحمل فثبتوا له و قدم الحجاج كرسيه إلى أمام، ثم إن شبيبا حمل عليهم في كثيبته فثبتوا له حتى إذا غشي أطراف الأسنة وثبوا في وجهه فقاتلهم طويلا، ثم إن أهل الشام طاعنوه حتى ألحقوه بأصحابه، فلما رأى صبرهم نادى: يا سويد احمل في خيلك على أهل هذه السرية لعلك تزيل أهلها عنها فأت الحجاج من ورائه، و نحمل نحن عليه من أمامه. فحمل فلم يفد ذلك شيئا، و ذلك أن الحجاج كان قد جعل عروة بن المغيرة بن شعبة في ثلاثمائة فارس ردءا له من ورائه لئلا يؤتوا من خلفهم، و كان الحجاج بصيرا بالحرب أيضا، فعند ذلك حرض شبيب أصحابه على الحملة و أمرهم بها ففهم ذلك الحجاج، فقال: يا أهل السمع و الطاعة اصبروا لهذه الشدة الواحدة، ثم و رب السماء و الأرض ما شيء دون الفتح، فجثوا على الركب و حمل عليهم شبيب بجميع أصحابه، فلما غشيهم نادى الحجاج بجماعة الناس فوثبوا في وجهه، فما زالوا يطعنون و يطعنون و هم مستظهرون على شبيب و أصحابه حتى ردوهم عن مواقفهم إلى ما ورائها، فنادى شبيب في أصحابه يا أولياء اللَّه الأرض الأرض، ثم نزل و نزلوا و نادى الحجاج يا أهل الشام يا أهل السمع و الطاعة، هذا أول النصر و الّذي نفسي بيده، و صعد مسجدا هنالك و جعل ينظر إلى الفريقين، و مع شبيب نحو عشرين رجلا معهم النبل، و اقتتل الناس قتالا شديدا عامة النهار من أشد قتال في الأرض، حتى أقر كل واحد منهم لصاحبه، و الحجاج ينظر إلى الفريقين من مكانه، ثم إن خالد بن عتاب استأذن الحجاج في أن يركب في جماعة فيأتى الخوارج من خلفهم، فأذن له، فانطلق في جماعة معه نحو من أربعة آلاف، فدخل عسكر الخوارج من ورائهم فقتل مصادا أخا شبيب، و غزالة امرأة شبيب، قتلها رجل يقال له فروة بن دقاق الكلبي، و خرق في جيش شبيب، ففرح بذلك الحجاج و أصحابه و كبروا، و انصرف شبيب و أصحابه كل منهم على فرس، فأمر الحجاج أن ينطلقوا في طلبهم، فشدوا عليهم فهزموهم، و تخلف شبيب في حامية الناس، ثم انطلق و اتبعه الطلب فجعل ينعس و هو على فرسه حتى يخفق برأسه، و دنا منه الطلب فجعل بعض أصحابه ينهاه عن النعاس في هذه الساعة فجعل لا يكترث بهم