البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٥٥ - فصل
الخضر يصلى في المسجد في كل ليلة، و في رواية أنه قال لهم: لا تتركوا أحدا يدخله، ثم إن الوليد أتى باب الساعات فاستفتح الباب ففتح له، فإذا رجل قائم بين الساعات و باب الخضراء الّذي يلي المقصورة يصلى، و هو أقرب إلى باب الخضراء منه إلى باب الساعات، فقال الوليد للقوام: أ لم آمركم أن لا تتركوا أحدا الليلة يصلى في المسجد؟ فقال له بعضهم: يا أمير المؤمنين هذا الخضر يصلى كل ليلة في المسجد». في إسناد هذه الحكاية و صحتها نظر، و لا يثبت بمثلها وجود الخضر بالكلية، و لا صلاته في المكان المذكور و اللَّه أعلم.
و قد اشتهر في الأعصار المتأخرة أن الزاوية القبلية عند باب المئذنة الغربية تسمى زاوية الخضر، و ما أدرى ما سبب ذلك، و الّذي ثبت بالتواتر صلاة الصحابة فيه، و كفى بذلك شرفا له و لغيره من المساجد التي صلوا فيها، و أول من صلى فيه إماما أبو عبيدة بن الجراح، و هو أمير الأمراء بالشام، و أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، و أمين هذه الأمة، و صلى فيه خلق من الصحابة مثل معاذ بن جبل و غيره لكن قبل أن يغيره الوليد إلى هذه الصفة، فأما بعد أن غير إلى هذا الشكل فلم يره أحد من الصحابة كذلك إلا أنس بن مالك، فإنه ورد دمشق سنة ثنتين و تسعين، و هو يبنى فيه الوليد، فصلى فيه أنس و رأى الوليد و أنكر أنس على الوليد تأخير الصلاة إلى آخر وقتها كما قدمنا ذلك في ترجمة أنس، عند ذكر وفاته سنة ثلاث و تسعين، و سيصلى فيه عيسى بن مريم إذا نزل في آخر الزمان، إذا خرج الدجال و عمت البلوى به، و انحصر الناس منه بدمشق، فينزل مسيح الهدى فيقتل مسيح الضلالة، و يكون نزوله على المنارة الشرقية بدمشق وقت صلاة الفجر، فيأتى و قد أقيمت الصلاة فيقول له إمام الناس: تقدم يا روح اللَّه، فيقول: إنما أقيمت لك، فيصلي عيسى تلك الصلاة خلف رجل من هذه الأمة، يقال إنه المهدي فاللَّه أعلم.
ثم يخرج عيسى بالناس فيدرك الدجال عند عقبة أفيق، و قيل بباب لد فيقتله بيده هنالك.
و قد ذكرنا ذلك مبسوطا عند قوله تعالى وَ إِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ
و في الصحيح عن النبي (صلى اللَّه عليه و سلم): «و الّذي نفسي بيده لينزلن فيكم ابن مريم حكما مقسطا، و إماما عادلا، فيكسر الصليب و يقتل الخنزير و يضع الجزية، و لا يقبل إلا الإسلام».
و المقصود أن عيسى ينزل على المنارة الشرقية بدمشق، و البلد محصور محصن من الدجال، فينزل على المنارة- و هي هذه المنارة المبنية في زماننا من أموال النصارى- ثم يكون نزول عيسى حتفا لهم و هلاكا و دمارا عليهم، ينزل بين ملكين واضعا يديه على مناكبهما، و عليه مهروذتان، و في رواية ممصّرتان [١] يقطر رأسه ماء كأنما خرج من ديماس، و ذلك وقت الفجر، فينزل على المنارة
[١] الممصرة من الثياب التي فيها صفرة خفيفة.