البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٦٥ - عبد الملك بن مروان والد الخلفاء الأمويين
إنا إذا نالت دواعي الهوى* * * و أنصت السامع للقائل
و اصطرع الناس بألبابهم* * * نقضي بحكم عادل فأصل
لا نجعل الباطل حقا و لا* * * نلفظ دون الحق بالباطل
نخاف أن تسفه أحلامنا* * * فنجهل الحق مع الجاهل
و قال الأعمش: أخبرنى محمد بن الزبير أن أنس بن مالك كتب إلى عبد الملك يشكو الحجاج و يقول في كتابه: لو أن رجلا خدم عيسى بن مريم أو رآه أو صحبه تعرفه النصارى أو تعرف مكانه لهاجرت إليه ملوكهم، و لنزل من قلوبهم بالمنزلة العظيمة، و لعرفوا له ذلك، و لو أن رجلا خدم موسى أو رآه تعرفه اليهود لفعلوا به من الخير و المحبة و غير ذلك ما استطاعوا، و إني خادم رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و صاحبه و رأيته و أكلت معه، و دخلت و خرجت و جاهدت معه أعداءه، و إن الحجاج قد أضر بي و فعل و فعل، قال: أخبرنى من شهد عبد الملك يقرأ الكتاب و هو يبكى و بلغ به الغضب ما شاء اللَّه، ثم كتب إلى الحجاج بكتاب غليظ، فجاء إلى الحجاج فقرأه فتغير ثم قال إلى حامل الكتاب: انطلق بنا إليه نترضّاه. و قال أبو بكر بن دريد: كتب عبد الملك إلى الحجاج في أيام ابن الأشعث: إنك أعز ما تكون باللَّه أحوج ما تكون إليه، و أذل ما تكون للمخلوق أحوج ما تكون إليهم، و إذا عززت باللَّه فاعف له، فإنك به تعز و إليه ترجع. قال بعضهم: سأل رجل من عبد الملك أن يخلو به فأمر من عنده بالانصراف، فلما خلا به و أراد الرجل أن يتكلم قال له عبد الملك: احذر في كلامك ثلاثا، إياك أن تمدحني فانى أعلم بنفسي منك، أو تكذبني فإنه لا رأى لكذوب، أو تسعى إلى بأحد من الرعية فإنهم إلى عدلي و عفوي أقرب منهم إلى جوري و ظلمي، و إن شئت أقلتك. فقال الرجل:
أقلنى فأقاله. و كذا كان يقول للرسول إذا قدم عليه من الآفاق: اعفنى من أربع و قل ما شئت، لا تطرنى، و لا تجبني فيما لا أسألك عنه، و لا تكذبني، و لا تحملني على الرعية فإنهم إلى رأفتي و معدلتى أحوج. و قال الأصمعي عن أبيه قال: أتى عبد الملك برجل كان مع بعض من خرج عليه فقال:
اضربوا عنقه، فقال: يا أمير المؤمنين ما كان هذا جزائي منك، فقال: و ما جزاؤك؟ فقال: و اللَّه ما خرجت مع فلان إلا بالنظر لك، و ذلك أنى رجل مشئوم ما كنت مع رجل قط إلا غلب و هزم، و قد بان لك صحة ما ادعيت، و كنت عليك خيرا من مائة ألف معك تنصحك، لقد كنت مع فلان فكسر و هزم و تفرق جمعه، و كنت مع فلان فقتل، و كنت مع فلان فهزم- حتى عد جماعة من الأمراء- فضحك و خلى سبيله. و قيل لعبد الملك: أي الرجال أفضل؟ قال: من تواضع عن رفعة و زهد عن قدرة، و ترك النصرة عن قوة. و قال أيضا لا طمأنينة قبل الخبرة، فان الطمأنينة قبل الخبرة ضد الحزم. و قال: خير المال ما أفاد حمدا و دفع ذما، و لا يقولن أحدكم ابدأ بمن تعول، فان