البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٥٢ - ثم دخلت سنة ست و تسعين
و يطيبوا نفسا بهذه البقعة، فكتب لهم كتاب أمان بها.
و المقصود أن الجامع الأموي كان حين تكامل بناؤه ليس له في الدنيا مثيل في حسنه و بهجته، قال الفرزدق: أهل دمشق في بلادهم في قصر من قصور الجنة- يعنى الجامع- و قال أحمد بن أبى الحواري عن الوليد بن مسلم عن ابن ثوبان: ما ينبغي لأحد من أهل الأرض أن يكون أشد شوقا إلى الجنة من أهل دمشق، لما يرون من حسن مسجدها. قالوا: و لما دخل أمير المؤمنين المهدي دمشق يريد زيارة القدس نظر إلى جامع دمشق فقال لكاتبه أبى عبيد اللَّه الأشعري:
سبقنا بنو أمية بثلاث، بهذا المسجد الّذي لا أعلم على وجه الأرض مثله، و بنبل الموالي، و بعمر ابن عبد العزيز، لا يكون و اللَّه فينا مثله أبدا. ثم لما أتى بيت المقدس فنظر إلى الصخرة- و كان عبد الملك بن مروان هو الّذي بناها- قال لكاتبه: و هذه رابعة. و لما دخل المأمون دمشق فنظر إلى جامعها و كان معه أخوه المعتصم، و قاضيه يحيى بن أكثم، قال: ما أعجب ما فيه؟ فقال أخوه: هذه الأذهاب التي فيه، و قال يحيى بن أكثم: الرخام و هذه العقد، فقال المأمون: إني إنما أعجب من حسن بنيانه على غير مثال متقدم، ثم قال المأمون لقاسم التمار: أخبرنى باسم حسن أسمى به جاريتي هذه، فقال: سمها مسجد دمشق، فإنه أحسن شيء. و قال عبد الرحمن عن ابن عبد الحكم عن الشافعيّ قال: عجائب الدنيا خمسة: أحدها منارتكم هذه- يعنى منارة ذي القرنين باسكندرية- و الثانية أصحاب الرقيم و هم بالروم اثنا عشر رجلا، و الثالثة مرآة بباب الأندلس على باب مدينتها، يجلس الرجل تحتها فينظر فيها صاحبه من مسافة مائة فرسخ. و قيل ينظر من بالقسطنطينية، و الرابع مسجد دمشق و ما يوصف من الإنفاق عليه، و الخامس الرخام و الفسفساء، فإنه لا يدرى لها موضع، و يقال إن الرخام معجون، و الدليل على ذلك أنه يذوب على النار.
قال ابن عساكر: و ذكر إبراهيم بن أبى الليث الكاتب- و كان قدم دمشق سنه اثنتين و ثلاثين و أربعمائة- في رسالة له قال: ثم أمرنا بالانتقال فانتقلت منه إلى بلد تمت محاسنه، و وافق ظاهره باطنه، أزقته أرجة، و شوارعه فرجة، فحيث ما مشيت شممت طيبا، و أين سعيت رأيت منظرا عجيبا، و إن أفضيت إلى جامعه شاهدت منه ما ليس في استطاعة الواصف أن يصفه، و لا الرائي أن يعرفه، و جملته أنه كنز الدهر و نادرة الوقت، و أعجوبة الزمان، و غريبة الأوقات، و لقد أثبت اللَّه عز و جل به ذكرا يدرس، و خلف به أمرا لا يخفى و لا يدرس. قال ابن عساكر: و أنشدنى بعض المحدثين في جامع دمشق عمره اللَّه بذكره و في دمشق فقال:
دمشق قد شاع حسن جامعها* * * و ما حوته ربى مرابعها
بديعة الحسن في الكمال لما* * * يدركه الطرف من بدائعها