البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٩ - ثم دخلت سنة تسع و سبعين
من أهل الفقه و العلم أن يعظوه و يعلموه أن هذا الّذي به من الشيطان، فأبى أن يقبل منهم فصلبه بعد ذلك، و هذا من تمام العدل و الدين.
و قد قال الوليد بن مسلم عن ابن جابر فحدثني من سمع الأعور يقول: سمعت العلاء بن زياد العدوي. يقول: ما غبطت عبد الملك بشيء من ولايته إلا بقتله حارثا حيث إن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال: «لا تقوم الساعة حتى يخرج ثلاثون دجالون كذابون كلهم يزعم أنه نبي، فمن قاله فاقتلوه، و من قتل منهم أحدا فله الجنة».
و قال الوليد بن مسلم: بلغني أن خالد بن يزيد بن معاوية قال لعبد الملك لو حضرتك ما أمرتك بقتله، قال: و لم؟ قال: إنه إنما كان به المذهب فلو جوعته لذهب ذلك عنه، و قال الوليد عن المنذر بن نافع سمعت خالد بن الجلاخ يقول لغيلان: ويحك يا غيلان، أ لم تأخذك في شبيبتك ترامي النساء في شهر رمضان بالتفاح، ثم صرت حارثيا تحجب امرأته و تزعم أنها أم المؤمنين ثم تحولت فصرت قدريا زنديقا.
و فيها غزا عبيد اللَّه بن أبى بكرة رتبيل ملك الترك الأعظم فيهم، و قد كان يصانع المسلمين تارة و يتمرد أخرى، فكتب الحجاج إلى ابن أبى بكرة تأخذه بمن معك من المسلمين حتى تستبيح أرضه و تهدم قلاعه و تقتل مقاتلته، فخرج في جمع من الجنود من بلاده و خلق من أهل البصرة و الكوفة ثم التقى مع رتبيل ملك الترك فكسره و هدم أركانه بسطوة بتارة، و جاس ابن أبى بكرة و جنده خلال ديارهم، و استحوذ على كثير من أقاليمه و مدنه و أمصاره، و تبر ما هنالك تتبيرا، ثم إن رتبيل تقهقر منه و ما زال يتبعه حتى اقترب من مدينته العظمى، حتى كانوا منها على ثمانية عشر فرسخا، و خافت الأتراك منهم خوفا شديدا، ثم إن الترك أخذت عليهم الطرق و الشعاب و ضيقوا عليهم المسالك حتى ظن كل من المسلمين أنه لا محالة هالك، فعند ذلك طلب عبيد اللَّه أن يصالح رتبيل على أن يأخذ منه سبعمائة ألف، و يفتحوا للمسلمين طريقا يخرجون عنه و يرجعون عنهم إلى بلادهم، فانتدب شريح بن هانئ- و كان صحابيا، و كان من أكبر أصحاب على و هو المقدم على أهل الكوفة- فندب الناس إلى القتال و المصابرة و النزال و الجلاد بالسيوف و الرماح و النبال، فنهاه عبيد اللَّه بن أبى بكرة فلم ينته، و أجابه شرذمة من الناس من الشجعان و أهل الحفائظ، فما زال يقاتل بهم الترك حتى فنى أكثر المسلمين رضى اللَّه عنهم، قالوا و جعل شريح بن هانئ يرتجز، و يقول:
أصبحت ذا بث أقاسى الكبرا* * * قد عشت بين المشركين أعصرا
ثم أدركت النبي المنذرا* * * و بعده صديقه و عمرا
و يوم مهران و يوم تسترا* * * و الجمع في صفينهم و النهرا
هيهات ما أطول هذا عمرا