البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٨ - ثم دخلت سنة تسع و سبعين
و كان الحارث يطعمهم فاكهة الشتاء في الصيف، و فاكهة الصيف في الشتاء، و كان يقول لهم: اخرجوا حتى أريكم الملائكة، فيخرج بهم إلى دير المراق فيريهم رجالا على خيل فيتبعه على ذلك بشر كثير، و فشا أمره في المسجد و كثر أصحابه و أتباعه، حتى وصل الأمر إلى القاسم بن مخيمرة، قال فعرض على القاسم أمره و أخذ عليه العهد إن هو رضى أمرا قبله، و إن كرهه كتم عليه، قال فقال له: إني نبي، فقال القاسم: كذبت يا عدو اللَّه، ما أنت نبي، و في رواية و لكنك أحد الكذابين الدجالين الذين
أخبر عنهم رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): «إن الساعة لا تقوم حتى يخرج ثلاثون دجالون كذابون كلهم يزعم أنه نبي»
و أنت أحدهم و لا عهد لك. ثم قام فخرج إلى أبى إدريس- و كان على القضاء بدمشق- فأعلمه بما سمع من الحارث فقال أبو إدريس نعرفه، ثم أعلم أبو إدريس عبد الملك بذلك، و في رواية أخرى أن مكحولا و عبد اللَّه بن أبى زائدة دخلا على الحارث فدعاهما إلى نبوته فكذباه و ردا عليه ما قال، و دخلا على عبد الملك فأعلماه بأمره، فتطلبه عبد الملك طلبا حثيثا، و اختفى الحارث و صار إلى دار بيت المقدس يدعو إلى نفسه سرا و اهتم عبد الملك بشأنه حتى ركب إلى النصرية فنزلها فورد عليه هناك رجل من أهل النصرية ممن كان يدخل على الحارث و هو ببيت المقدس فأعلمه بأمره و أين هو، و سأل من عبد الملك أن يبعث معه بطائفة من الجند الأتراك ليحتاط عليه، فأرسل معه طائفة و كتب إلى نائب القدس ليكون في طاعة هذا الرجل و يفعل ما يأمره به، فلما وصل الرجل إلى النصرية ببيت المقدس بمن معه انتدب نائب القدس لخدمته، فأمره أن يجتمع ما يقدر عليه من الشموع و يجعل مع كل رجل شمعته فإذا أمرهم باشعالها في الليل أشعلوها كلهم في سائر الطرق و الأزقة حتى لا يخفى أمره، و ذهب الرجل بنفسه فدخل الدار التي فيها الحارث فقال لبوابه استأذن على نبي اللَّه، فقال: في هذه الساعة لا يؤذن عليه حتى يصبح، فصاح النصري أسرجوا، فأشعل الناس شموعهم حتى صار الليل كأنه النهار، و هم النصري على الحارث فاختفى منه في سرب هناك فقال أصحابه هيهات يريدون أن يصلوا إلى نبي اللَّه، إنه قد رفع إلى السماء، قال فأدخل النصري يده في ذلك السرب فإذا بثوبه فاجتره فأخرجه، ثم قال للفرغانيين من أتراك الخليفة قال فأخذوه فقيدوه، فيقال إن القيود و الجامعة سقطت من عنقه مرارا و يعيدونها، و جعل يقول: (قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّما أَضِلُّ عَلى نَفْسِي، وَ إِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ) و قال لأولئك الأتراك (أَ تَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ)؟ فقالوا له بلسانهم و لغتهم: هذا كراننا فهات كرانك، أي هذا قرآننا فهات قرآنك، فلما انتهوا به إلى عبد الملك أمر بصلبه على خشبة و أمر رجلا فطعنه بحربة فانثنت في ضلع من أضلاعه، فقال له عبد الملك: ويحك أذكرت اسم اللَّه حين طعنته؟ فقال: نسيت، فقال: ويحك سم اللَّه ثم اطعنه، قال فذكر اسم اللَّه ثم طعنه فأنفذه، و قد كان عبد الملك حبسه قبل صلبه و أمر رجالا