البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٠ - ثم دخلت سنة تسع و سبعين
ثم قاتل حتى قتل رضى اللَّه عنه، و قتل معه خلق من أصحابه، ثم خرج من خرج من الناس صحبة عبيد اللَّه بن أبى بكرة من أرض رتبيل، و هم قليل، و بلغ ذلك الحجاج فأخذ ما تقدم و ما تأخر، و كتب إلى عبد الملك يعلمه بذلك و يستشيره في بعث جيش كثيف إلى بلاد رتبيل لينتقموا منه بسبب ما حل بالمسلمين في بلاده، فحين وصل البريد إلى عبد الملك كتب إلى الحجاج بالموافقة على ذلك، و أن يعجل ذلك سريعا، فحين وصل البريد إلى الحجاج بذلك أخذ في جمع الجيوش فجهز جيشا كثيفا لذلك على ما سيأتي تفصيله في السنة الآتية بعدها. و قيل إنه قتل من المسلمين مع شريح بن هانئ ثلاثون ألفا و ابتيع الرغيف مع المسلمين بدينار و قاسوا شدائد، و مات بسبب الجوع منهم خلق كثير أيضا، فانا للَّه و إنا إليه راجعون. و قد قتل المسلمون من الترك خلقا كثيرا أيضا قتلوا أضعافهم و يقال إنه في هذه السنة استعفى شريح من القضاء فأعفاه الحجاج من ذلك و ولى مكانه أبا بردة ابن أبى موسى الأشعري، و قد تقدمت ترجمة شريح عند وفاته في السنة الماضية و اللَّه أعلم.
قال الواقدي و أبو معشر و غير واحد من أهل السير: و حج بالناس في هذه السنة أبان بن عثمان أمير المدينة النبويّة، و فيها قتل قطري بن الفجاءة التميمي أبو نعامة الخارجي، و كان من الشجعان المشاهير، و يقال إنه مكث عشرين سنة يسلم عليه أصحابه بالخلافة، و قد جرت له خطوب و حروب مع جيش المهلب بن أبى صفرة من جهة الحجاج و غيره، و قد قدمنا منها طرفا صالحا في أماكنه، و كان خروجه في زمن مصعب بن الزبير، و تغلب على قلاع كثيرة و أقاليم و غيرها، و وقائعه مشهورة و قد أرسل إليه الحجاج جيوشا كبيرة فهزمها، و قيل إنه برز إليه رجل من بعض الحرورية و هو على فرس أعجف و بيده عمود حديد، فلما قرب منه كشف قطري عن وجهه فولى الرجل هاربا فقال له قطري إلى أين؟ أما تستحي أن تفر و لم تر طعنا و لا ضربا؟ فقال إن الإنسان لا يستحى أن يفر من مثلك، ثم إنه في آخر أمره توجه إليه سفيان بن الأبرد الكلبي في جيش فاقتتلوا بطبرستان، فعثر بقطرى فرسه فوقع إلى الأرض فتكاثروا عليه فقتلوه و حملوا رأسه إلى الحجاج، و قيل إن الّذي قتله سودة بن الحر الدارميّ، و كان قطري بن الفجاءة مع شجاعته المفرطة و إقدامه من خطباء العرب المشهورين بالفصاحة و البلاغة و جودة الكلام و الشعر الحسن، فمن مستجاد شعره قوله يشجع نفسه و غيره و من سمعها انتفع بها:
أقول لها و قد طارت شعاعا* * * من الأبطال و يحك لن تراعى
فإنك لو طلبت بقاء يوم* * * على الأجل الّذي لك لم تطاعى
فصبرا في مجال الموت صبرا* * * فما نيل الخلود بمستطاعى
و لا ثوب الحياة بثوب عز* * * فيطوي عن أخى الخنع اليراعى