البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٨٢ - ثم دخلت سنة إحدى و تسعين
الجوزجان فأخذها من ملكها و استعمل عليها، ثم أتى بلخ فدخلها و أقام بها نهارا واحدا، ثم خرج منها و قصد نيزك خان ببغلان، و قد نزل نيزك خان معسكرا على فم الشعب الّذي منه يدخل إلى بلاده، و في فم الشعب قلعة عظيمة تسمى شمسية، لعلوها و ارتفاعها و اتساعها. فقدم على قتيبة الرؤب خان ملك الرؤب و سمنجان، فاستأمنه على أن يدله على مدخل القلعة، فأمنه و بعث معه رجالا إلى القلعة فأتوها ليلا ففتحوها و قتلوا خلقا من أهلها و هرب الباقي، و دخل قتيبة الشعب و أتى سمنجان- و هي مدينة كبيرة- فأقام بها و أرسل أخاه عبد الرحمن خلف ملك تلك المدن و البلاد نيزك خان في جيش هائل، فسار خلفه إلى بغلان فحصره بها، و أقام بحصاره شهرين حتى نفذ ما عنده من الأقوات، فأرسل قتيبة من عنده ترجمانا يسمى الناصح، فقال له: اذهب فائتنى بنيزك خان و لئن عدت إلى و ليس هو معك ضربت عنقك. و أرسل قتيبة معه هدايا و أطعمة فاخرة، فسار الترجمان إلى نيزك حتى أتاه و قدم إليه الأطعمة فوقع عليها أصحابه يتخاطفونها- و كانوا قد أجهدهم الجوع- ثم أعطاه الناصح الأمان و حلف له، فقدم به على قتيبة و معه سبعمائة أمير من أصحابه و من أهل بيته جماعة.
و كذلك استأمن قتيبة جماعة من الملوك فأمنهم و ولى على بلادهم و اللَّه سبحانه و تعالى أعلم.
قال الواقدي و غيره: و حج بالناس في هذه السنة أمير المؤمنين الوليد بن عبد الملك، فلما قرب من المدينة أمر عمر بن عبد العزيز أشراف المدينة فتلقوه فرحب بهم و أحسن إليهم، و دخل المدينة النبويّة فأخلى له المسجد النبوي، فلم يبق به أحد سوى سعيد بن المسيب لم يتجاسر أحد أن يخرجه، و إنما عليه ثياب لا تساوى خمسة دراهم، فقالوا له: تنح عن المسجد أيها الشيخ، فان أمير المؤمنين قادم، فقال: و اللَّه لا أخرج منه، فدخل الوليد المسجد فجعل يدور فيه يصلى هاهنا و هاهنا و يدعو اللَّه عز و جل، قال عمر بن عبد العزيز: و جعلت أعدل به عن موضع سعيد خشية أن يراه، فحانت منه التفاتة فقال: من هذا هو سعيد بن المسيب؟ فقلت: نعم يا أمير المؤمنين، و لو علم بأنك قادم لقام إليك و سلم عليك. فقال: قد علمت بغضه لنا، فقلت: يا أمير المؤمنين إنه و إنه، و شرعت أثنى عليه، و شرع الوليد يثنى عليه بالعلم و الدين، فقلت: يا أمير المؤمنين إنه ضعيف البصر- و إنما قلت ذلك لأعتذر له- فقال: نحن أحق بالسعي إليه، فجاء فوقف عليه فسلم عليه فلم يقم له سعيد، ثم قال الوليد: كيف الشيخ؟ فقال: بخير و الحمد للَّه، كيف أمير المؤمنين؟ فقال: الوليد: بخير و الحمد للَّه وحده، ثم انصرف و هو يقول لعمر بن عبد العزيز: هذا فقيه الناس. فقال: أجل يا أمير المؤمنين.
قالوا: ثم خطب الوليد على منبر رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فجلس في الخطبة الأولى و انتصب في الثانية، قال و قال: هكذا خطب عثمان، ثم انصرف فصرف على الناس من أهل المدينة ذهبا كثيرا و فضة كثيرة، ثم كسا المسجد النبوي كسوة من كسوة الكعبة التي معه، و هي من ديباج غليظ.