البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٥٥ - و فيها توفى كثير عزة الشاعر المشهور
وفدت على عبد الملك بن مروان تشكو إليه ظلامة فقال: لا أقضيها لك حتى تنشدينى شيئا من شعره، فقالت: لا أحفظ لكثير شعرا، لكنى سمعتهم يحكون عنه أنه قال فىّ هذه الأبيات:
قضى كل ذي دين علمت غريمه* * * و عزة ممطول معنى غريمها
فقال: ليس عن هذا أسألك و لكن أنشدينى قوله:
و قد زعمت أنى تغيرت بعدها* * * و من ذا الّذي يا عز لا يتغير
تغير جسمي و المحبة كالذي* * * عهدت و لم يخبر بذاك مخبر
قال فاستحيت و قالت: أما هذا فلا أحفظه و لكن سمعتهم يحكونه عنه، و لكن أحفظ له قوله:
كأنى أنادى صخرة حين أعرضت* * * من الظلم لو تمشى بها العصم زلت
صفوح فما تلقاك إلا بخيلة* * * و من مل منها ذلك الوصل ملت
قال فقضى لها حاجتها و ردها و رد عليها ظلامتها و قال: أدخلوها الحرم ليتعلموا من أدبها. و روى عن بعض نساء العرب قالت: اجتازت بنا عزة فاجتمع نساء الحاضر إليها لينظرن حسنها، فإذا هي حميراء حلوة لطيفة، فلم تقع من النساء بذاك الموقع حتى تكلمت فإذا هي أبرع النساء و أحلاهن حديثا، فما بقي في أعيننا امرأة تفوقها حسنا و جمالا و حلاوة. و ذكر الأصمعي عن سفيان بن عيينة قال: دخلت عزة على سكينة بنت الحسين فقالت لها: إني أسألك عن شيء فاصدقيني، ما الّذي أراد كثير في قوله لك:
قضى كل ذي دين فوفى غريمه* * * و عزة ممطول معنى غريمها
فقالت: كنت وعدته قبلة فمطلته بها، فقالت: أنجزيها له و إثمها على، و قد كانت سكينة بنت الحسين من أحسن النساء حتى كان يضرب بحسنها المثل. و روى أن عبد الملك بن مروان أراد أن يزوج كثيرا من عزة فأبت عليه و قالت: يا أمير المؤمنين أبعد ما فضحني بين الناس و شهرني في العرب؟ و امتنعت من ذلك كل الامتناع، ذكره ابن عساكر. و روى أنها اجتازت مرة بكثير و هو لا يعرفها فتنكرت عليه و أرادت أن تختبر ما عنده، فتعرض لها فقالت: فأين حبك عزة؟ فقال: أنا لك الفداء لو أن عزة أمة لو لوهبتها لك، فقالت: ويحك لا تفعل أ لست القائل:
إذا وصلتنا خلة كي تزيلنا* * * أبينا و قلنا الحاجبية أول؟
فقال: بأبي أنت و أمى، أقصرى عن ذكرها و اسمعي ما أقول:
هل وصل عزة إلا وصل غانية* * * في وصل غانية من وصلها بدل
قالت: فهل لك في المجالسة؟ قال: و من لي بذلك؟ قالت: فكيف بما قلت في عزة؟ قال:
أقلبه فيتحول لك، قال فسفرت عن وجهها و قالت: أ غدرا و تناكثا يا فاسق، و إنك لهاهنا يا عدو