البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٥١ - و فيها توفى كثير عزة الشاعر المشهور
تسمع بالمعيدي خير من أن تراه، فقال: حيّهلا يا أمير المؤمنين إنما المرء بأصغريه قلبه و لسانه، إن نطق نطق ببيان، و إن قاتل قاتل بجنان، و أنا الّذي أقول
و جربت الأمور و جربتنى* * * و قد أبدت عريكتى الأمور
و ما تخفى الرجال على أنى* * * بهم لأخو مثاقفة خبير
ترى الرجل النحيف فتزدريه* * * و في أثوابه أسد زئير
و يعجبك الطرير فتختبره* * * فيخلف ظنك الرجل الطرير
و ما هام الرجال لها بزين* * * و لكن زينها دين و خير
بغاث الطير أطولها جسوما* * * و لم تطل البزاة و لا الصقور
و قد عظم البعير بغير لب* * * فلم يستغن بالعظم البعير
فيركب ثم يضرب بالهراوى* * * و لا عرف لديه و لا نكير
و عود النبع ينبت مستمرا* * * و ليس يطول و العضباء حور
و قد تكلم أبو الفرج بن طرار على غريب هذه الحكاية و شعرها بكلام طويل، قالوا: و دخل كثير عزة يوما على عبد الملك بن مروان فامتدحه بقصيدته التي يقول فيها:-
على ابن أبى العاصي دروع حصينة* * * أجاد المسدى سردها و أدالها
قال له عبد الملك: أ فلا قلت كما قال الأعشى لقيس بن معديكرب:-
و إذا تجيء كتيبة ملمومة* * * شهبا يخشى الذائدون صيالها
كنت المقدم غير لابس جبة* * * بالسيف يضرب معلما أبطالها
فقال: يا أمير المؤمنين وصفه بالخرق و وصفتك بالحزم. و دخل يوما على عبد الملك و هو يتجهز للخروج إلى مصعب بن الزبير فقال: ويحك يا كثير، ذكرتك الآن بشعرك فان أصبته أعطيتك حكمك، فقال: يا أمير المؤمنين كأنك لما ودعت عاتكة بنت يزيد بكت لفراقك فبكى لبكائها حشمها فذكرت قولي:
إذا ما أراد الغزو لم تثن عزمه* * * حصان عليها نظم در يزينها
نهته فلما لم تر النهى عافه* * * بكت فبكى مما عراها قطينها
قال: أصبت فاحتكم، قال: مائة ناقة من نوقك المختارة، قال: هي لك، فلما سار عبد الملك إلى العراق نظر يوما إلى كثير عزة و هو مفكر في أمره فقال: عليّ به، فلما جيء به قال له: أ رأيت إن أخبرتك بما كنت تفكر به تعطيني حكمي؟ قال: نعم، قال: و اللَّه؟ قال: و اللَّه، قال له عبد الملك إنك تقول في نفسك: هذا رجل ليس هو على مذهبي، و هو ذاهب إلى قتال رجل ليس هو على