البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٠٩ - على بن الحسين
عم البرية بالإحسان فانقشعت* * * عنها الغواية و الاملاق و الظلم
كلتا يديه غياث عم نفعهما* * * يستوكفان و لا يعروهما العدم
سهل الخليقة لا تخشى بوادره* * * يزينه اثنتان الحلم و الكرم
لا يخلف الوعد ميمون بغيبته* * * رحب الفناء أريب حين يعتزم
من معشر حبهم دين و بغضهم* * * كفر وقر بهم منجى و معتصم
يستدفع السوء و البلوى بحبهم* * * و يستزاد به الإحسان و النعم
مقدم بعد ذكر اللَّه ذكرهم* * * في كل حكم و مختوم به الكلم
إن عد أهل التقى كانوا أئمتهم* * * أو قيل من خير أهل الأرض قيل هم
لا يستطيع جواد بعد غايتهم* * * و لا يدانيهم قوم و إن كرموا
هم الغيوث إذا ما أزمة أزمت* * * و الأسد أسد الشري و البأس محتدم
يأبى لهم أن يحل الذم ساحتهم* * * خيم كرام و أيد بالندى هضم
لا ينقص العدم بسطا من أكفهم* * * سيان ذلك إن أثروا و إن عدموا
أي الخلائق ليست في رقابهم* * * لأولية هذا أوله نعم
فليس قولك من هذا بضائره* * * العرب تعرف من أنكرت و العجم
من يعرف اللَّه يعرف أولية ذا* * * فالدين من بيت هذا ناله الأمم
قال: فغضب هشام من ذلك و أمر بحبس الفرزدق بعسفان، بين مكة و المدينة،
فلما بلغ ذلك على بن الحسين بعث إلى الفرزدق باثني عشر ألف درهم، فلم يقبلها و قال: إنما قلت ما قلت للَّه عز و جل و نصرة للحق، و قياما بحق رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) في ذريته، و لست أعتاض عن ذلك بشيء.
فأرسل إليه على بن الحسين يقول: قد علم اللَّه صدق نيتك في ذلك، و أقسمت عليك باللَّه لتقبلنها
فتقبلها منه ثم جعل يهجو هشاما و كان مما قال فيه:
تحبسني بين المدينة و التي* * * إليها قلوب الناس تهوى منيبها
يقلب رأسا لم يكن رأس سيد* * * و عينين حولاوين باد عيوبها
و قد روينا عن على بن الحسين أنه كان إذا مرت به الجنازة يقول هذين البيتين:
نراع إذا الجنائز قابلتنا* * * و نلهو حين تمضى ذاهبات
كروعة ثلّة لمغار سبع* * * فلما غاب عادت راتعات
و روى الحافظ ابن عساكر من طريق محمد بن عبد اللَّه المقري حدثني سفيان بن عيينة عن الزهري قال سمعت على بن الحسين سيد العابدين يحاسب نفسه و يناجي ربه:-