البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٣٦ - خبر سلمة بن قيس الأشجعي و الأكراد
قراءته من البكاء. قال: بؤسا لعمر. كم قتل من أولاد المسلمين. ثم أمر مناديه فنادى، لا تعجلوا صبيانكم عن الفطام، فانا نفرض لكل مولود في الإسلام. و كتب بذلك إلى الآفاق.
و قال أسلم: خرجت ليلة مع عمر إلى ظاهر المدينة فلاح لنا بيت شعر فقصدناه فإذا فيه امرأة تمخض و تبكى، فسألها عمر عن حالها فقالت: أنا امرأة عربية و ليس عندي شيء. فبكى عمر و عاد يهرول إلى بيته فقال لامرأته أم كلثوم بنت على بن أبى طالب: هل لك في أجر ساقه اللَّه إليك؟
و أخبرها الخبر، فقالت: نعم، فحمل على ظهره دقيقا و شحما، و حملت أم كلثوم ما يصلح للولادة و جاءا، فدخلت أم كلثوم على المرأة، و جلس عمر مع زوجها- و هو لا يعرفه- يتحدث، فوضعت المرأة غلاما فقالت أم كلثوم: يا أمير المؤمنين بشر صاحبك بغلام. فلما سمع الرجل قولها استعظم ذلك و أخذ يعتذر إلى عمر. فقال عمر: لا بأس عليك، ثم أوصلهم بنفقة و ما يصلحهم و انصرف.
و قال أسلم: خرجت ليلة مع عمر إلى حرة و أقم، حتى إذا كنا بصرار إذا بنار فقال: يا أسلم هاهنا ركب قد قصر بهم الليل، انطلق بنا إليهم، فأتيناهم فإذا امرأة معها صبيان لها و قدر منصوبة على النار و صبيانها يتضاغون، فقال عمر: السلام عليكم يا أصحاب الضوء، قالت: و عليك السلام. قال: أدنو.
قالت: أدن أودع. فدنا فقال: ما بالكم؟ قالت: قصر بنا الليل و البرد. قال: فما بال هؤلاء الصبية يتضاغون؟ قالت: من الجوع. فقال: و أي شيء على التار؟ قالت: ماء أعللهم به حتى يناموا، اللَّه بيننا و بين عمر. فبكى عمر و رجع يهرول إلى دار الدقيق فأخرج عدلا من دقيق و جراب شحم، و قال:
يا أسلم احمله على ظهري، فقلت: أنا أحمله عنك. فقال: أنت تحمل وزري يوم القيامة؟. فحمله على ظهره و انطلقنا إلى المرأة فألقى عن ظهره و أخرج من الدقيق في القدر، و ألقى عليه من الشحم، و جعل ينفخ تحت القدر و الدخان يتخلل لحيته ساعة، ثم أنزلها عن النار و قال: ايتيني بصحفة. فأتى بها فغرفها ثم تركها بين يدي الصبيان و قال: كلوا، فأكلوا حتى شبعوا- و المرأة تدعو له و هي لا تعرفه- فلم يزل عندهم حتى نام الصغار، ثم أوصلهم بنفقة و انصرف، ثم أقبل على فقال: يا أسلم الجوع الّذي أسهرهم و أبكاهم.
و قيل: إن على بن أبى طالب رضى اللَّه عنه رأى عمر و هو يعدو إلى ظاهر المدينة فقال له: إلى أين يا أمير المؤمنين؟ فقال: قد ند بعير من إبل الصدقة فأنا أطلبه. فقال: قد أتعبت الخلفاء من بعدك.
و قيل: إنه رأى جارية تتمايل من الجوع فقال: من هذه؟ فقالت ابنة عبد اللَّه: هذه ابنتي.
قال: فما بالها؟ فقالت: إنك تحبس عنا ما في يدك فيصيبنا ما ترى. فقال: يا عبد اللَّه، بيني و بينكم كتاب اللَّه، و اللَّه ما أعطيكم إلا ما فرض اللَّه لكم، أ تريدون منى أن أعطيكم ما ليس لكم؟