البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٣٥ - خبر سلمة بن قيس الأشجعي و الأكراد
فيه اثنى عشر رقعة، و أنفق في حجته ستة عشر دينارا، و قال لابنه: قد أسرفنا، و كان لا يستظل بشيء غير أنه كان يلقى كساءه على الشجر و يستظل تحته، و ليس له خيمة و لا فسطاط. و لما قدم الشام لفتح بيت المقدس كان على جمل أورق تلوح صلعته للشمس، ليس عليه قلنسوة و لا عمامة قد طبق رجليه بين شعبى الرحل بلا ركاب، و وطاؤه كبش من صوف، و هو فراشه إذا نزل، و حقيبته محشوة ليفا، و هي وسادته إذا نام، و عليه قميص من كرابيس قد رسم و تخرق جيبه، فلما نزل قال: ادعوا لي رأس القرية، فدعوه فقال: اغسلوا قميصي و خيطوه و أعيرونى قميصا، فأتى بقميص كتان، فقال: ما هذا؟ فقيل كتان. فقال: فما الكتان؟ فأخبروه. فنزع قميصه فغسلوه و خاطوه ثم لبسه، فقال له: أنت ملك العرب، و هذه بلاد لا يصلح فيها ركوب الإبل. فأتى ببرذون فطرح عليه قطيفة بلا سرج و لا رحل، فلما سار جعل [البرذون] يهملج به فقال لمن معه: احبسوا، ما كنت أظن الناس يركبون الشياطين، هاتوا جملي. ثم نزل و ركب الجمل.
و عن أنس قال: كنت مع عمر فدخل حائطا لحاجته فسمعته يقول- و بيني و بينه جدار الحائط- عمر بن الخطاب أمير المؤمنين بخ بخ، و اللَّه لتتقين اللَّه بنىّ الخطاب أو ليعذبنك. و قيل: إنه حمل قربة على عاتقه فقيل له في ذلك فقال: إن نفسي أعجبتنى فأردت أن أذلها؟ و كان يصلى بالناس العشاء ثم يدخل بيته فلا يزال يصلى إلى الفجر. و ما مات حتى سرد الصوم، و كان في عام الرمادة لا يأكل إلا الخبز و الزيت حتى اسود جلده و يقول: بئس الوالي أنا إن شبعت و الناس جياع. و كان في وجهه خطان أسودان من البكاء، و كان يسمع الآية من القرآن فيغشى عليه فيحمل صريعا إلى منزله فيعاد أياما ليس به مرض إلا الخوف. و قال طلحة بن عبد اللَّه: خرج عمر ليلة في سواد الليل فدخل بيتا فلما أصبحت ذهبت إلى ذلك البيت فإذا عجوز عمياء مقعدة فقلت لها: ما بال هذا الرجل يأتيكى؟
فقالت: إنه يتعاهدني مدة كذا و كذا يأتينى بما يصلحني و يخرج عنى الأذى. فقلت لنفسي:
ثكلتك أمك يا طلحة، أ عثرات عمر تتبع؟.
و قال أسلم مولى عمر: قدم المدينة رفقة من تجار، فنزلوا المصلى فقال عمر لعبد الرحمن بن عوف:
هل لك أن نحرسهم الليلة؟ قال: نعم! فباتا يحرسانهم و يصليان، فسمع عمر بكاء صبي فتوجه نحوه فقال لأمه: اتّق اللَّه تعالى و أحسنى إلى صبيك. ثم عاد إلى مكانه، فسمع بكاءه فعاد إلى أمه فقال لها مثل ذلك، ثم عاد إلى مكانه، فلما كان آخر الليل سمع بكاء الصبى فأتى إلى أمه فقال لها: ويحك، إنك أم سوء، ما لي أرى ابنك لا يقر منذ الليلة من البكاء؟! فقالت: يا عبد اللَّه إني أشغله عن الطعام فيأبى ذلك، قال: و لم؟ قالت: لأن عمر لا يفرض إلا للمفطوم. قال: و كم عمر ابنك هذا؟ قالت:
كذا و كذا شهرا، فقال: ويحك لا تعجليه عن الفطام. فلما صلى الصبح و هو لا يستبين للناس